الأدوات ، وأجاز بعضهم وقوع الاسم بعدها ، فلا يمتنع عنده الرفع على
الابتداء ، كقول الشاعر :
157 - لا تجزعي إن منفس أهلكته
فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
هامش
157 - هذا البيت ساقط من أكثر النسخ ، ولم نشرحه في الطبعة الأولى لهذه
العلة ، وهو من كلمة للنمر بن تولب يجيب فيها امرأته وقد لامته على التبذير ، وكان
من حديثه أن قوما نزلوا به في الجاهلية ، فنحر لهم أربع قلائص ، واشترى لهم زق
خمر ، فلامته امرأته على ذلك ، ففي هذا يقول :
قالت لتعذلني من الليل : اسمع * ، سفه تبيتك الملامة فاهجعي
لا تجزعي لغد ، وأمر غد له * ، أتعجلين الشر ما لم تمنعي
قامت تبكي أن سبات لفتية * زقا وخابية بعود مقطع
اللغة : " لا تجزعي " لا تحزني ، والجزع هو : ضعف المرء عن تحمل ما ينزل به
من بلاء ، وهو أيضا أشد الحزن " منفس " هو المال الكثير ، وهو الشئ النفيس
الذي يضن أهله به " أهلكته " أذهبته وأفنيته " هلكت " مت .
الاعراب : " لا " ناهية " تجزعي " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه
حذف النون ، وياء المؤنثة المخاطبة فاعل " إن " شرطية " منفس " فاعل لفعل
محذوف هو فعل الشرط ، وقوله " أهلكته " جملة من فعل وفاعل ومفعول لا محل
لها تفسيرية " فإذا " الفاء عاطفة ، إذا : ظرفية تضمنت معنى الشرط " هلكت "
فعل وفاعل ، وجملتهما في محل جر بإضافة " إذا " إليها " فبعد " الفاء زائدة ، وبعد :
ظرف متعلق بقوله " اجزعي " في آخر البيت ، وبعد مضاف واسم الإشارة من " ذلك "
مضاف إليه ، واللام للبعد ، والكاف حرف خطاب " فاجزعي " الفاء واقعة في جواب
إذا ، وما بعدها فعل أمر ، وياء المخاطبة فاعل ، والجملة جواب إذا لا محل لها من الاعراب .
الشاهد فيه : قوله " إن منفس " حيث وقع الاسم المرفوع بعد أداة الشرط التي
هي " إن " والأكثر أن يلي هذه الأداة الفعل .
وقبل : أن نقرر لك ما في هذا البيت نخبرك أنه يروى بنصب " منفس "
يروى برفعه .
فأما رواية النصب فهي التي رواها سيبويه وجمهور البصريين ( انظر كتاب
سيبويه 1 - 68 ، ومفصل الزمخشري 1 - 149 بتحقيقنا ) ولا إشكال على هذه
الرواية ، لان " منفسا " حينئذ منصوب بفعل محذوف مفسر بفعل من لفظ الفعل
المذكور بعده ، والتقدير : إن أهلكت منفسا أهلكته .
والرواية الثانية برفع " منفس " وهي رواية الكوفيين ، وأعربوها على أن
" منفس " مبتدأ ، وجملة " أهلكته " خبره ، وهذا هو صريح عبارة الشارح قبل
إنشاده البيت ، واستدلوا به وبمثله على جواز وقوع الجملة الاسمية بعد " إن " و " إذا "
الشرطيتين ، وقالوا : إن الاسم المرفوع بعد هاتين الأداتين مبتدأ ، والجملة بعده في محل
رفع خبر ، ومنهم من يجعل هذا الاسم المرفوع فاعلا لنفس الفعل المذكور بعده في نحو
" إن زيد يزورك فأكرمه " بناء على مذهبهم من جواز تقديم الفاعل على الفعل
الرافع له ، فأما البصريون فلا يسلمون أولا رواية الرفع ، ثم يقولون : إن صحت هذه
الرواية فإنها لا تدل على جواز وقوع الجمل الاسمية بعد أداة الشرط ، ولا تدل على
جواز تقدم الفاعل على فعله ، لان واحدا من هذين الوجهين غير متعين في إعراب
الاسم المرفوع بعد أداة الشرط ، بل هذا الاسم فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل
المذكور بعده ، ويقدر المحذوف من لفظ المذكور إن كان الذي بعده قد رفع الضمير
على الفاعلية ، ومن معنى الفعل المتأخر إن كان قد نصب ضمير الاسم كما في هذا البيت
المستشهد به ، ومن الأول قوله تعالى : ( وإن أحد من المشركين استجارك ) وهذا هو
الراجح ، وهو الذي قدره الشارح بعد إنشاد البيت ، ثم ارجع إلى ما ذكرناه في
تقدير العامل في المشغول عنه ( في ص 518 ) ، ثم انظر ما ذكرناه في باب الفاعل