إذا دل دليل على خبر " لا " النافية للجنس وجب حذفه عند التميميين
والطائيين ، وكثر حذفه عند الحجازيين ، ومثاله أن يقال : هل من رجل قائم ؟
فتقول : " لا رجل " وتحذف الخبر - وهو قائم - وجوبا عند التميميين
والطائيين ، وجوازا عند الحجازيين ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر
غير ظرف ولا جار ومجرور ، كما مثل ، أو ظرفا أو جارا ومجرورا ، نحو أن
يقال : هل عندك رجل ؟ أو هل في الدار رجل ؟ فتقول : " لا رجل " .
فإن لم يدل على الخبر دليل لم يجز حذفه عند الجميع ، نحو قوله صلى الله
عليه وسلم : " لا أحد أغير من الله " وقول الشاعر :
116 * ولا كريم من الولدان مصبوح *
.
هامش
116 - نسب الزمخشري في المفصل ( 1 / 89 بتحقيقنا ) هذا الشاهد لحاتم
الطائي ، ونسبه الجرمي - مع صدره - لأبي ذؤيب الهذلي ، والصواب أنه كما قال -
الأعلم لرجل جاهلي من بني النبيت بن قاسط ( وصوابه ابن مالك ) - وهو حي من
اليمن - وكان قد اجتمع هو وحاتم والنابغة الذبياني عند امرأة يقال لها ماوية بنت
عفزر يخطبونها ، فآثرت حاتما عليهما ، وصدر هذا الشاهد :
* إذا اللقاح غدت ملقى أصرتها *
وبعض النحاة - كسيبويه ، والأعلم ، وتبعهم الأشموني - يجعل صدر هذا
الشاهد قوله :
* ورد جازرهم حرفا مصرمة *
وهذا من تركيب صدر بيت على عجز بيت آخر ، وهاك ثلاثة أبيات منها البيت
الشاهد لتعلم صحة الانشاد .
هلا سألت النبيتيين ما حسبي * عند الشتاء إذا ما هبت الريح
ورد جازرهم حرفا مصرمة * في الرأس منها وفي الأصلاء تمليح
إذا اللقاح غدت ملقى أصرتها * ولا كريم من الولدان مصبوح
اللغة : " اللقاح " جمع لقوح ، وهي الناقة الحلوب " أصرتها " جمع صرار ، وهو
خيط يشد به رأس الضرع لئلا يرضعها ولدها ، وإنما تلقى الأصرة حين لا يكون در ،
وذلك في سني القحط " مصبوح " اسم مفعول من صبحته - بتخفيف الباء - إذا سقيته
الصبوح ، وهو - بفتح الصاد وضم الباء الموحدة - الشرب بالغداة ، والغداة : الوقت
ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس .
الاعراب : " إذا " ظرف للزمان المستقبل تضمن معنى الشرط " اللقاح " اسم
لغدا محذوفا يدل عليه المذكور بعده ، وخبره محذوف يدل عليه ما بعده أيضا ، والتقدير :
إذا غدت اللقاح ملقى أصرتها " غدت " غدا : فعل ماض ناقص بمعنى صار ، والتاء
للتأنيث ، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على اللقاح " ملقى " خبر
غدا ، وهو اسم مفعول " أصرتها " أصرة : نائب فاعل لملقى ، وأصرة مضاف
والضمير العائد إلى اللقاح مضاف إليه " ولا " نافية للجنس " كريم " اسمها " من الولدان "
جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لكريم " مصبوح " خبر لا .
الشاهد فيه : قوله " ولا كريم من الولدان مصبوح " حيث ذكر خبر لا ، وهو
قوله " مصبوح " لكونه ليس يعلم إذا حذف ، ولو أنه حذفه فقال " ولا كريم من
الولدان " لفهم منه أن المراد ولا كريم من الولدان موجود ، لان الذي يحذف عند
عدم قيام قرينة هو الكون العام ، ولا شك أن هذا المعنى غير المقصود له .
هذا تخريج البيت على ما يريد الشارح والناظم تبعا لسيبويه شيخ النحاة .
وقد أجاز الأعلم الشنتمري وأبو علي الفارسي وجار الله الزمخشري أن يكون
الخبر محذوفا ، وعليه يكون قوله " مصبوح " نعتا لاسم لا ، باعتبار أصله ، وهو
المعبر عنه بأنه تابع على محل لا واسمها معا ، لأنهما في التقدير مبتدأ عند سيبويه ، كما
تقدم بيانه .
قال الأعلم : " ويجوز أن يكون نعتا لاسمها محمولا على الموضع ، ويكون الخبر
محذوفا لعلم السامع ، وتقديره موجود ونحوه " اه .
وقال الزمخشري : " وقول حاتم * ولا كريم إلخ * يحتمل أمرين : أحدهما
أن يترك فيه طائيته إلى اللغة الحجازية ، والثاني ألا يجعل مصبوح خبرا ، ولكن
صفة محمولة على محل لا مع المنفي " اه .
ويريد بترك طائيته أنه ذكر خبر لا ، لأنك قد علمت أن لغة الطائيين حذف خبر
لا مطلقا ، أعني سواء أكان ظرفا أو جارا ومجرورا أم كان غيرهما ، متى فهم ودلت
عليه قرينة ، أو كان كونا مطلقا ، ويكون حاتم قد تكلم في هذا البيت على لغة أهل
الحجاز الذين يذكرون خبر لا ، عند عدم قيام القرينة على حذفه ، أو عند تعلق الغرض
بذكره لداعية من الدواعي ، لكن الذي يقرره العلماء أن العربي لا يستطيع أن يتكلم
بغير لغته التي درب عليها لسانه ، فإذا نحن راعينا ذلك وجب أن نصير إلى الوجه الآخر
وهو أن نقدر قوله " مصبوح " نعتا لقوله " لا كريم " أي نعتا على محل لا مع اسمها وهو
الرفع حتى يكون كلامه جاريا على لغة قومه ، فاعرف هذا ، والله يرشدك ويبصرك .