كتاب العطية وأما الصدقة ( 111 ) فهي : عقد يفتقر إلى إيجاب وقبول واقباض . ولو قبضها المعطى له
من غير رضا المالك ( 112 ) ، لم تنتقل إليه ومن شرطها نية القربة ( 113 ) ، ولا يجوز الرجوع فيها
بعد القبض على الأصح ، لأن المقصود بها الأجر وقد حصل ، فهي كالمعوض عنها ( 114 ) .
والصدقة المفروضة محرمة على بني هاشم ( 114 ) ، إلا صدقة الهاشمي أو صدقة غيره عند
الاضطرار ، ولا بأس بالصدقة المندوبة عليهم ( 116 ) .
مسائل ثلاث :
الأولى : لا يجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض ( 117 ) ، سواء عوض عنها أو لم
يعوض ، لرحم كانت أو لأجنبي ، على الأصح .
الثانية : تجوز الصدقة على الذمي وإن كان أجنبيا ، لقوله عليه السلام ( على كل كبد
حرى أجر ) ( 118 ) ، ولقوله تعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ) .
الثالثة : صدقة السر أفضل من الجهر ( 119 ) ، إلا أن يتهم في ترك المواساة ، فيظهرها
دفعا للتهمة .
هامش
( 111 ) وهي إعطاء مال لشخص في سبيل الله تعالى ( إيجاب وقبول واقباض ) في الجواهر عن جمع : ولو تم ذلك كله بالمعاطاة .
( 112 ) كما لو قال زيد لعمرو : ( هذا الكتاب لك صدقة ) فقال عمرو ( قبلت ) ثم أخذ عمرو الكتاب بدون رضا زيد .
( 113 ) فلو لم يقصد القربة - حتى بنحو الداعي - كانت باطلة ، فلا يملكها الآخذ .
( 114 ) يعني : كما أن الهبة المعوضة لا يجوز الرجوع فيها لأنه أخذ العوض ، كذلك عوض الصدقة الثواب ، ويحصل الثواب بمجرد
إعطاء الصدقة ، فقد حصل عوضها فلا يجوز استرجاع الصدقة .
( 115 ) إذا كانت من غير هاشمي ( والمفروض ) هي زكاة المال ، وقال جمع كل صدقة واجبة حتى الكفارات ، وزكاة الفطرة ،
ونحوهما ( عند الاضطرار ) وهو ما إذا كان الهاشمي محتاجا لضروريات حياته ولم يكن هاشمي يعطيه الصدقة ، ولا طريق
آخر له لتأمين ضروري حياته .
( 116 ) أي : على الهاشميين وإن كانت من غير هاشمي .
( 117 ) أي : بعد أخذ المتصدق عليه لها ( عوض عنها ) كما لو قال ( هذا الكتاب لك صدقة مقابل ذاك الفرش ) فقال ( قبلت ) .
( 118 ) الكبد ) مؤنث سماعي ( وحري ) : أي جارة من العطش ، فلو كان ذمي عطشانا فتصدق عليه مسلم بماء كان لهذه
الصدقة أجر وثواب بظاهر هذا الحديث الشريف النبوي ، ولا فرق بين الصدقة بالماء أو غيره ، و ( لم يقاتلوكم في الدين )
أي : ليسوا محاربين لكم ، ومنهم الذمي ) .
( 119 ) ( صدقة السر ) : أي إخفاؤها عن أنظار الناس قال تعالى : ( وإن تخفوها وتأتوها الفقراء فهو خير لكم ) وفي الحديث الشريف
( صدقة السر تطفئ غضب الرب ) ( ترك المواساة ) يعني : يعرف بين الناس بأنه لا يتصدق ، فيتصدق دفعا لهذه التهمة ، لقوله عليه
السلام ( رحم الله من حب الغيبة عن نفسه ) .