كل شئ هو الله وحده . فوجود الله وعلمه وحكمته ، وإعجاز القرآن الدال على
صدق محمد في دعوته ، وما إلى ذاك يدركه العقل مستقلا ، ويقدم عليه
البرهان القاطع . أما وجود الملائكة والجن ، والسير غدا على صراط أدق من
الشعرة ، وأحد من السيف ، وشهادة الأيدي ، والأرجل على أصحابها ، وتطاير
الكتب ، وسؤال منكر ونكير ، ونحو ذلك مما لا يبلغه الإحصاء ، وثبت بضرورة
الدين ، أما هذه فلا تفسر بالعلم ، وليس فيه للعقل حكم بالنفي أو الإثبات .
إن الذين غير محصور ولا مقصور فيما يدركه العقل ، بل يتعداه إلى أمور غيبية
يؤمن بوجودها كل من آمن بالله والرسول واليوم الآخر . ولكن الدين في جميع
أحكامه وتعاليمه لا يعلم الناس ما يراه العقل محالا ، أو مضرا ،
وبالتالي ، فليس كل ما هو حق يجب أن يثبت بطريق العقل ، ولا كل ما لم
يثبت بالعقل يكون باطلا - مثلا - إن مسألة المهدي المنتظر لا يمكن إثباتها
بالأدلة العقلية ، ولأنها غير صحيحة ، وباطلة من الأساس ، بل لأنها ليست من
شؤون العقل واختصاصه ، إن عجز العقل عن إدراك قضية من القضايا شئ ،
وكونها حقا أو بالطلا شئ آخر .
العادة والعقل :
فرق بين ما هو ممتنع الوقوع في نفسه ، بحيث لا يمكن أن يقع بحال ، حتى
على أيدي الأنبياء والأولياء ، كاجتماع النقيضين ، وجعل الواحد أكثر من
اثنين ، وبين ما هو ممكن الوقوع في نفسه ، ولكن العادة لم تجر بوقوعه ، كالأمثلة
الآتية ، وما كان من النوع الأول يسمى بالمحال العقلي ، وما كان من النوع
الثاني يسمى بالمحال العادي ، وكثير من الناس يخلطون بين النوعين ، ويتعذر
عليهم التمييز بينهما ، فيظنون أن كل ما هو محال عادة هو محال عقلا .
وإليك الأمثلة : لقد اعتدنا أن لا نرى عودة الأموات إلى هذه الدنيا ، وأن
يولد الصبي ، ولا يكلم الناس ساعة ولادته ، وإذا جاع أحدنا لا تنزل عليه
مائدة من السماء ، وإذا أصابه العمى والبرص لا يشفى بدون علاج ، وإذا سبح
الله وحمده لا تردد الجبال والطير معه التسبيح والتحميد ، وإذا أخذ الحديد
بيده لا يلين له كالشمع ، وإذا سمع منطق الطير لا يفهم منه شيئا ، كما يخفى
الشيعة في الميزان — صفحة 88
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٨٨