عليه حديث النمل ، ويعجز عن تسخير الجن في عمل المحاريب والتماثيل .
ولم يشاهد إنسانا حيا منذ قرون ، ولا انقلاب العصا إلى ثعبان ، ولا وقوف مياه
البحر كالجبال ، ولا جلوس الإنسان في النار دون أن يناله أي أذى . فكل هذه ،
وما إليها لم تجر العادة بوقوعها ، ولم يألف الناس مشاهدتها ، لذا ظن من ظن
أنها مستحيلة في حكم العقل ، مع أنها ممكنة عقلا ، بعيدة عادة . بل وقعت بالفعل .
فلقد أخبر القرآن الكريم بصراحة لا تقبل التأويل أن السيد المسيح كلم
الناس ، وهو في المهد ، وأحيا الموتى ، وأبرأ والأكمه والأبرص ، وأنزل مائدة
من السماء وأنه ما زال حيا ، وسيبقى حيا إلى يوم يبعثون ، وأن النار كانت
بردا وسلاما على إبراهيم ، وأن عصا موسى صارت ثعبانا ، وأن الحديد لأن
لداود ، وسبح معه الطير والجبال ، وأن سليمان استخدم الجان ، وعرف لغة
الطيور والنمل . إن هذه الخوارق محال بسبب العادة ، جائزة في نظر العقل ،
ولو كانت محالا في نفسها لامتنع وقوعها للأنبياء وغير الأنبياء . فكذلك بقاء
المهدي حيا ألف سنة أو ألوف السنين واختفاؤه عن الأنظار - كما يقول الإمامية -
بعيد عادة ، جائز عقلا ، واقع دينا بشهادة الأحاديث الثابتة عن الرسول ( ص ) ،
فمن أنكر إمكان وجود المهدي محتجا بأنه محال في نظر العقل يلزمه أن ينكر
هذه الخوارق التي ذكرها القرآن ، وآمن بها كل مسلم ، ومن اعترف بها يلزمه
الاعتراف بإمكان وجود المهدي ، والتفكيك تحكم وعناد . إذ لا فرق في نظر
العقل بين بقاء المهدي حيا ألوف السنين ، وهذه الخوارق من حيث الإمكان
وجواز الوقوع ، ما دام الجميع من سنخ واحد .
أحاديث المهدي :
ألف علماء الإمامية كتبا خاصة في المهدي ، منهم محمد بن إبراهيم النعماني ،
والصدوق ، والشيخ الطوسي ، والمجلسي الذي خصص له المجلد الثالث عشر
من بحاره ، وذكر هؤلاء العلماء وغيرهم كل ما يتصل بالمهدي من الأحاديث
النبوية ، بخاصة ما جاء في كتب السنة ، وبصورة أخص الصحاح الستة ، وقد
استقصاها السيد محسن الأمين في القسم الثالث من الجزء الرابع من " أعيان
الشيعة " طبعة سنة 1954 ، ورغم ثقتي بهؤلاء الأعلام ، ويقيني بصدقهم عما
الشيعة في الميزان — صفحة 89
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٨٩