مع دوابهم وحمولتهم ، وكانوا يأوون فيها دون أي مقابل ، ومعلوم أن هذه
الخانات كانت ضرورية لمواصلة السير والتنقل ، ولولاها لاستحال على المسافرين
أن يقطعوا المسافات النائية . وما زالت آثار هذه الخانات قائمة ، حتى اليوم .
ومنها : عنايته بالرياضيين المعروفين في إيران " بالبهلوان " فقد خصص لهم
جناحا خاصا في قصره ، واعتبرهم من رجال بلاطه .
ومنها : تشييده المساجد والمدارس الفخمة على أحدث طراز .
ومنها : تكريمه العلماء والفقهاء بشتى أنواع التكريم والتعظيم ، حتى كثرت
في عهده المؤلفات في الفقه والحديث والأصول والأخلاق ، وغيرها . قال
السيد محسن الأمين في الجزء الثاني من " معادن الجواهر " : " كان سوق العلم في
عصره بأصفهان في رواج عظيم ، وكان يصدر عن رأي المحقق السيد الداماد ،
والشيخ بهاء الدين العاملي في خطير الأمور وحقيرها ، وألف البهائي كثيرا من
الكتب باسمه ، كالجامع العباسي وغيره " .
إلى غير ذلك من الأعمال الجليلة ، وهذا ، وكان يرفض التفخيم والتعظيم ،
ويأبى أن يطلق عليه الألقاب ، وأن يدعى بغير وكيل الرعية ، لأن هذا هو واقع
كل حاكم ، ومن حاد عن مفهوم الوكالة وحدودها فهو طاغية مستبد . وكان
شديد الاتصال بأناس مهتما بمعرفة أحوالهم ، وما هم عليه من بؤس
أو نعيم ، وكان يلبس كل ليلة لباس الدراويش ويتنقل في الشوارع يتنسم الأخبار ،
ويتفقد الفقراء والمعوزين ، وكان يفعل ذلك في حروبه أيضا ، ومن طريف ما
حدث له أنه دخل ذات ليلة إلى جيش الأتراك حين تجمع على حدود إيران ،
متنكرا بغير زيه هو وبعض أعوانه ، ولما رآهم بعض الضباط دعوهم إلى تناول
الطعام ، فلبى الشاه الدعوة ، وأكل مظهرا الغبطة والسرور ، ثم دعا أولئك
الضباط إلى زيارة معسكر الإيرانيين ، ومناولة الطعام ، فقالوا : نتمنى ذلك من
صميم الفؤاد ، عسى أن يقع نظرنا على الشاه الذي اشتهر هذه الشهرة الكبرى ،
وهو بعد في مقتبل العمر ، وجاء الضباط مع صاحب الدعوة إلى معسكر الإيرانيين ،
وما أن دخلوا المعسكر ، حتى عرفوا الحقيقة ، فأكرمهم الشاه وأولم لهم الولائم ،
ثم أعادهم إلى أماكنهم ، فعظمت مكانته في نفوسهم ، وظلوا يتحدثون عنه
الشيعة في الميزان — صفحة 181
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص١٨١