السلام فهذه الأيام أيضا تجري مجرى الأول في حصول أسباب التقية لأن
أكثر من بايعه بالإمامة كانوا شيعة المتقدمين عليه ، ومن يعتقد إمامتهم ،
والأحوال متقاربة ، وإن كان عليه السلام في هذه الأيام كثيرا ما كان ينفث
ببعض ما في صدره ، ويبوح ببعض ما كان يكتمه .
فأما ذكر الجمل وصفين في هذا الموضع فمن بعيد الكلام ، وإنما لم
يسغ له التقية في صفين والجمل لوجود الألوف الكثيرة من الأنصار
والأعوان المستبصرين الذين يثق بمناصحتهم ونصرتهم ، وليس شئ من
هذا فيما تقدم .
فأما قوله : ( إن المتعالم من حال أبي بكر أنه لم يكن من القوة في
نفسه وأعوانه بحيث يخاف منه ) فقول من لا يتصفح كلامه ، وأي قوة
تزيد على من اجتمع عليه أكثر المسلمين ، وانقادوا له من الأولين
والآخرين ، وسموه خليفة الرسول صلى الله عليه وآله وأنزلوه منزلته ،
وأطاعوه طاعته ، وهذا القول مما نربأ ( 1 ) بصاحب الكتاب عنه ، وهذه
جملة كافية .
ثم قال صاحب الكتاب : ( فأما خالد بن سعيد فإنه بايع بعد ذلك
من غير شبهة عند أهل النقل ، وأما سلمان فإنما روي عنه أنه قال : كرديد
ونكرديد ( 2 ) ، وحكي عن أبي علي أن ذلك غير مقطوع به وأنه لا يجوز أن
يخاطبهم بالفارسية وهم عرب ( 3 ) وكيف فهموا ذلك منه ، ورووه ، وأن
هامش
( 1 ) يقال : أربأ به عن كذا أي لا أرضاه له .
( 2 ) " كرديد ونكرديد " معناه - كما أخبرني أحد المتضلعين في اللغة الفارسية -
فعلتم وما فعلتم .
( 3 ) وفيه " فكيف يصح أن يخاطبهم بهذا القول وهم عرب ، وهو يعرف
العربية " .