اجتهد فظن أن الذي ولاه عالم بما أسنده إليه ، ولم يكن كذلك لوقوع
الخطأ منه ، وأن الغلط جرى عليه في ذلك ، وهذا ظن بعيد لا يرجع إلى
حجة ولا إلى شبهة لأنا قد بينا أن الذين أخطأوا من الولاة كانوا عالمين ،
وإنما تعمدوا الخطأ ولم يتم على الإمام غلط في أمرهم ، فليس يجب ما
ألزمتنا عليه من جواز الغلط على الإمام في اجتهاده فيما يتولاه ، على أن
إلزامك مباين في الظاهر لتقديرك لأنه ليس يجب إذا ولى الإمام من وقع منه
الخطأ أن يكون هو نفسه غير عالم بالأحكام ، وإنما يجب أن يتبع هذا
الالزام ذلك التقدير إذا ثبت أن الذين وقع منهم الخطأ من ولاته لم يتعمدوا
الخطأ ، بل كان منهم عن جهل ، أو ارتفاع علم ، ولم نرك قررت ( 1 )
ذلك ، ولو قررته لما أجبناك إليه ، ولطالبناك بتصحيح دعواك فيه .
قال صاحب الكتاب : " ثم يقال لهم : أليس قد ثبت أن
أمير المؤمنين عليه السلام كان يرجع في تعرف الأحكام إلى غيره نحو ما
ثبت عنه في المذي ( 2 ) ونحو ما ثبت عنه من رجوعه في موالي صفية ( 3 ) عند
هامش
( 1 ) قدرت خ ل .
( 2 ) " بتصحيح " ساقطة من المغني .
( 3 ) مسألة المذي مروية في كتب الحديث مثل صحيح البخاري 1 / 71 في كتاب
الغسل ، باب غسل المذي والوضوء منه ، وصحيح مسلم 1 / 247 في كتاب الحيض ،
وفي غير الصحيحين أيضا وإجمالها : أن عليا عليه السلام قال : كنت رجلا مذاء ،
فأمرت رجلا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم - وفي مسلم ، أنه المقداد بن الأسود -
لمكان ابنته فسأله فقال ( توضأ واغسل ذكرك ) والمرتضى وأن وجه المسألة على وجه
الفرض ولكن هذا محال لأن معنى " مذاء " أن تلك الحالة كانت تعاوده مرة بعد أخرى
فكيف يجهل أمير المؤمنين حكما يتعلق بالطهارة التي هي شطر الإيمان وكيف كان يعمل في
الأيام التي سبقت اليوم الذي أرسل فيه المقداد ؟ وكيف أهمل السؤال عن مسألة تتعلق
بالصلاة ، مضافا إلى أن المعروف من فقه الأئمة من أهل البيت عليهم السلام أن المذي
إذا عرف لا يلزم غسله ، ولا يجب له الوضوء ، وقد روى الشيخ قريبا من هذه الرواية في
الاستبصار 1 / 92 بعدة وجوه وكان جوابه صلى الله عليه وآله : ( ليس بشئ ) .
( 3 ) يعني صفية بنت عبد المطلب ، وذلك أنها أعتقت عبيدا لها فمات العبيد ولم
يخلفوا فطلب الزبير ميراثهم لأن أمه أعتقتهم فولاؤهم لها وهو وارثها ، وطلب علي عليه
السلام ميراثهم لأن المعتق إذا كان امرأة فولاء مولاها لعصبتها مطلقا ، وهذا الرأي
منقول عن علي عليه السلام في كتب الفريقين يقول ابن رشد في بداية المجتهد
باب الولاء : " وفي هذا الباب مسألة مشهورة وهي إذا ماتت امرأة ولها ولاء وولد
وعصبة لمن ينتقل الولاء ؟ فقالت طائفة لعصبتها لأنهم الذين يعقلون عنها ، ولا ولاء
للولد ، وهو قول علي بن أبي طالب ، وقال قوم لابنها وهو قول عمر بن الخطاب ، وعليه
فقهاء الأمصار " .