غيره يقتضي المجاز فغلط ، لأن لفظة يفعلون وما أشبهها من الألفاظ التي
تدخل عليها الزوائد الأربع الموجبة للمضارعة وهي الهمزة والتاء والنون
الياء ( 1 ) ليست مجردة للاستقبال ، بل هي مشتركة بين الحال والاستقبال ،
وإنما تخلص للاستقبال بدخول السين أو سوف ، وقد نص على ما ذكرناه
النحويون في كتبهم ، فمن حملها على الحال دون الاستقبال لم يتعد
الحقيقة ، ولا تجاوز باللفظة ما وضعت له ، وعلى هذا تأولنا الآية
لأنا جعلنا لفظة ( يؤتون الزكاة ) عبارة عما وقع في الحال من أمير المؤمنين
عليه السلام ، وليس يمتنع أن نذكر في الجواب عن السؤال وجها آخر وإن
كنا لا نحتاج مع ما ذكرنا إلى غيره لأنه الظاهر من مذهب أهل العربية ،
وهو أن يقال : إن نزول الآية وخطاب الله تعالى بها يجوز أن يكونا قبل
الفعل الواقع في تلك الحال فتجري اللفظة على جهة الاستقبال وهو
الحقيقة ، بل الظاهر من مذاهب المتكلمين في القرآن أن الله تعالى :
أحدثه في السماء قبل نبوة النبي صلى الله عليه وآله بمدد طوال وعلى هذا
المذهب لم يجر لفظ الاستقبال في الآية إلا على وجهه ، لأن الفعل
المخصوص عند أحداث القرآن في الابتداء لم يكن إلا مستقبلا ، وإنما
يحتاج إذا كان القول في القرآن على ما حكيناه إلى أن تتأول ألفاظه الواردة
بلفظة الماضي مما يعلم أنه وقع مستقبلا ، وإلا فما ذكر بلفظ الاستقبال لا
حاجة بنا إلى تأوله لوقوعه على وجهه فأما لفظة ( الذين ) فإنها وإن كانت
موضوعة في الأصل للجمع دون الواحد فغير ممتنع أن تكون بالعرف وكثرة
الاستعمال قد دخلت في أن تستعمل في الواحد المعظم أيضا على سبيل
الحقيقة ، يدل على ذلك أن قوله تعالى : ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ) وما
أشبهه من الألفاظ لا يصح أن يقال أنه مجاز وكذلك قول أحد الملوك نحن
هامش
( 1 ) ويجمعها لفظة " أنيت " .