يقال له : قد تقدم كلامنا على ما ظننت أنه مفسد لما حكيته عنا ،
وكشفنا من بطلانه بما لا يدخل على منصف شبهة ، فإذا كنت متعمدا في
دفع استدلالنا بما حكيته على ما قدمته وقد بينا فساده بما تقدم فقد سلم ما
تطرقنا به إلى وجوب النص وخلص من كل شبهة .
قال صاحب الكتاب : " شبهة أخرى لهم وربما قالوا : لا بد لمن
يكون إماما أن يكون على حال وصفة لا طريق للاجتهاد فيها ، فلا بد من
أن يكون بنص ، وربما ذكروا في هذه الصفة كونه معصوما إلى سائر ما
تقدم ، والجواب عنه قد سلف " .
قال " وربما ذكروا غيره ، بأن يقولوا : لا بد من أن يكون عالما
بجميع الأحكام حتى لا يشذ عليه ( 1 ) شئ منها وإلا لزم ذلك أن يكون قد
كلف القيام بما لا سبيل له إليه ( 2 ) ويحل ذلك محل تكليف ما لا يطاق فلا
بد من نص عليه ، لأنه لا طريق للمجتهدين إلى معرفة ذلك من حاله ،
لأنه إنما يعلم ذلك من حاله في استغراق المعلوم ( 3 ) من يعرف هذه العلوم
أجمع لم تصح لهم معرفته ، ولأن معرفة ذلك لا تصح إلا بامتداد
الأوقات ، وبالتجربة والامتحان ، فإذا لم يكن وقوف أحد من الأمة عليه لم
يجز أن يكلف الاجتهاد في ذلك فلا بد من النص " ( 4 ) .
قال : " ثم يقال لهم : أمن جهة العقل تعلمون إن كونه عالما
بجميع هذه الأحكام من شرط كونه إماما ، أو بالسمع ؟ فإن قالوا :
هامش
( 1 ) غ " لا يشذ منه " .
( 2 ) الضمير في " له " للإمام ، وفي " إليه " لما يكلف القيام به .
( 3 ) غ : " هذه العلوم " .
( 4 ) المغني 20 ق 1 / 104 .