فأما قوله : " وثبت أيضا إن أحدا من السلف لم يذكر في الإمامة أنها
لا تكون إلا بالنص ، وقد جرت فيها الخطوب ( 1 ) وأن العقل يقتضي ذلك
فيها ، لتصرف بذلك عما كانوا عليه على اختلاف أحوالهم " فباطل ، لأنه
لا شبهة في أن جماعة من جملة ( 2 ) السلف خالفت في أصل الاختيار ، على
ما سنذكره من بعد عند الكلام في إمامة أبي بكر بمشيئة الله تعالى .
وقد دل الدليل على أن إنكار هؤلاء كان لأصل الاختيار وإن لم
يصرحوا به ، واكتفوا بالنكير على الجملة ، ولو لم يدل الدليل على ذلك
لكان إنكارهم محتملا للأمرين ، يعني إنكار أصل الاختيار جملة ، وإنكار
أمامة المختار في تلك ( 3 ) الحال ، وإذا كان محتملا بطل ادعاؤه الإطباق ،
وأن أحدا من السلف لم يقل في الإمامة أنها لا تكون إلا بالنص ، وصار
محتاجا إلى أن يدل على أن الإنكار الواقع الذي بينا أنه محتمل للأمرين لم
يكن إلا لأحدهما دون الآخر وأنى له بذلك ؟ فإن عول صاحب الكتاب
على ما لا يزال أصحابه يعتمدونه من رجوع من ذكرنا من المخالفين ووقوع
الرضا منهم فسنبين بطلان هذا فيما بعد ، وندل على أن الرضا لم يعلم
وأكثر ما علم الكف عن النكير المخصوص ، وذلك لا يدل على الرضا في
مثل تلك الحال ، على أن أحدا من المنكرين لإمامة أبي بكر ممن ذكرناه لم
يقل أيضا أنه جائز عندي من طريق العقل الاختيار وإنما خلافي هذا في
هامش
( 1 ) الخطوب جمع خطب وهو الأمر العظيم .
( 2 ) خ " جلة " ويقصد بهم عليا عليه السلام والمنحازين إليه يوم السقيفة كالزبير
وسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار ، وخالد وأبان ابني سعيد بن العاص ، وأبي الهيثم بن
التيهان ، وسهل وعثمان ابني حنيف ، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي أيوب
الأنصاري وأبي بن كعب وبريدة الأسلمي والعباس وأولاده بل بني هاشم كافة وغيرهم .
( 3 ) خ " ذلك " .