على أن الآية لو تجاوزنا عن جميع ما ذكرناه فيها لا يقتضي كون جميع
أقوال الأمة وأفعالها حجة ، لأنها غير مانعة من وقوع الصغائر ( 1 ) التي لا
تسقط العدالة ( 2 ) منهم ، فإن أمكن تمييز الصغائر من غيرها كانوا حجة فيما
قطع عليه وإن لم يمكن علم في الجملة أن الخطأ الذي يكون كثيرا ويؤثر في
العدالة مأمون منهم ، وغير واقع من جهتهم وإن ما عداه يجوز عليهم ،
فيسقط مع ما ذكرناه تعلق المخالفين بالآية في نصرة الاجماع .
فأما قوله في نصرة هذه الطريقة : " أن كونهم عدولا كالعلة والسبب
في كونهم شهداء ، وأنه قد صح في التعبد أنه لا يجوز أن ينصب للشهادة
إلا من تعلم عدالته ، أو تعرف ( 3 ) بالأمارات التي يقتضي غالب الظن ،
وصح أن من ينصبه بغالب ( 4 ) الظن إذا تولى الله تعالى نصبه يجب أن يعلم
من حاله ما نظنه ، فإذا ثبت ذلك لم يخل من أن يكونوا حجة فيما يشهدون
أو لا يكونوا ، فإن لم يكونوا حجة بطلت شهادتهم ، لأن من حق الشاهد
إذا أخبر عما يشهد به أن يكون خبره حقا وإن لم يجر مجرى الشهادة ، فلا بد
هامش
( 1 ) صغيرة منهم خ ل .
( 2 ) العدالة - لغة - مأخوذة من العدل وهو الاستقامة ، وعرفها الفقهاء بأنها ملكة
اجتناب الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر ، أو إتيان الواجب وترك المحرم ، أو مجرد
ترك المعاصي عن ملكة ، أو خصوص الكبائر منها ، وغير ذلك من التعريفات التي
تختلف لفظا وتتقارب معنى ، وقد أخذها الفقهاء شرطا في المفتي والقاضي وإمام
الجماعة ، والشاهد ، وتعرف بالعلم الوجداني من أي أسبابه حصل ، بالبينة العادلة ،
والشياع المفيد للعلم ، وحسن الظاهر ، وبالوثوق والاطمئنان الحاصل عن علم ومعرفة
لا كتسرع بعض الجهال الذين سرعان ما يثقون ثم يرجعون لأتفه الأسباب وبأدنى
عارض من الشبه .
( 3 ) خ " ويعرف "
( 4 ) خ " لغالب " .