إن قيل : لا تكون السمعيات إلطافا في العقليات إلا إذا علم المكلف كونها
إلطافا وداعية وذلك منتف . قلنا : لا نسلم وجوب علمه بكونها إلطافا وداعية ، إذ يجوز
أن يعلم الله أن مجرد التكليف بها موجب للانقياد إلى تلك ، على أن العقليات
قد يتباعد زمانها كقضاء الدين ، ورد الودايع ، والقيام بجزاء الصنايع ، فتقع الغفلة
عن الله فلا بد من مذكر وهو السمعي .
إن قلت : لو كانت السمعيات لطفا لتقدمت على العقليات ، لوجوب تقدم
اللطف ، ولو تقدمت لزمت الدور فإن السمعيات إنما تثبت بعد العلم بثبوت
الخالق وما يتوقف عليه الارسال من صفاته . قلنا المتقدم هو العلم بالعقليات ،
والسمعيات لطف في العمل بها ، على أنا نمنع تقدم العقليات في الخارج على
السمعيات ، وإنما تقدمت في الذهن عليها ، فإن العقل لانغماره في الشهوات قد لا
يتنبه لتلك المعارف ولا يهتدي لوجوهها ، ومع الرسول بها وإيجابها يتنبه لها ويقرب
من تحصيل طرقها فيكون النبي لطفا فيها ، وأيضا فالقدرة على البعثة والداعي إليها
حاصلان فتجب لاشتمالها على المصالح والصارف منتف لانتفاء وجوه المفاسد ،
وأيضا فاجتماع النوع ضروري وهو مجبول على التغالب ، فيقع التجاذب ، فيقع القتل
فيقع العدم المناقض لمراد الخالق من الوجود فيجب رده إلى قانون مقبول هو الشرع
والآتي به النبي المميز عنه بالمعجزة ، فوجب النبي وله وجه يتلقى به الوحي
الإلهي وآخر يخاطب به النوع الانساني ، وليس لرعيته هذان الوجهان .
إن قلت : لم لا يكون لكل فرد ما للنبي ، فيستغني عنه قلت : الارسال أعظم
في تجليل المرسل مما ذكرت ، إذ في عادة الملوك إرسال الرسل والحجاب والاحتجاب
عن الرعية ، ليعظم في أعينهم ، ولذا أوصى المعلم الأول ، أرسطاطاليس ، الملك
الإسكندر ، بأن لا يظهر على الرعية إلا نادرا ، فجرى الرب الحكيم على ذلك في
إرساله لازدياد تعظيمه .
إن قلت : هذا يوجب خفض منزلته عند رسوله . قلت : للرسول نفس قدسية لا
يتخيل سقوطه عنده .
الصراط المستقيم — صفحة 41
مساهمون: محمد الباقر البهبودي
ص٤١