وقال له بعض من حضره : هو على ما ترى من العلة ، وما أراه إلا ميتا عن
قريب .
فتركه ، وصار مع جملة الحرم إلى يزيد اللعين ( 1 ) فلما أن صاروا بين يديه
قام رجل من الشام ، فقال : يا أمير المؤمنين نساؤهم لنا حلال .
فقال علي عليه السلام : كذبت إلا أن تخرج من ملة الاسلام ، فتستحل
ذلك بغيرها .
فأطرق يزيد ، ولم يقل في ذلك شيئا .
ولما بلغ من النداء على رأس الحسين عليه السلام ( 2 ) والاستهانة [ بحرمه ]
هامش
( 1 ) وهو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، ولد بالماطرون سنة 25 ه ثاني ملوك الدولة الأموية ، تولى
الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 60 ه وكان نزوعا إلى اللهو ، ويروى له شعر رقيق ، وهو من أشقى الخلفاء توفي
بحوارين من أرض حمص سنة 64 ه ( تاريخ اليعقوبي 2 / 215 ، تاريخ ابن الأثير 4 / 49 ) .
( 2 ) وهو يترنم بهذه الأبيات :
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل
( أعلام النساء 1 / 504 ، البداية والنهاية 8 / 192 )
وذلك في محضر العقيلة ، والتي ردت عليه بخطبتها المشهورة منها : وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت
من نظر الينا بالشنف والشنئان ، والإحن والأضغان . ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم :
لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل
منحنيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكثها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك ؟ وقد
نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه وآله ، ونجوم الأرض من آل
عبد المطلب ، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم ، فلتردن وشيكا موردهم ، ولتودن إنك شللت وبكمت ،
ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت .
اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم ممن ظلمنا ، وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا . . . ( بلاغات
النساء لأحمد بن أبي طاهر ص 21 ، الخوارزمي في مقتله 2 / 64 ، السيدة زينب وأخبار الزينبيات للعبيدي
ص 86 ، اللهوف ص 79 ط 1369 ه ) .
قال ابن تيمية المتوفى سنة 728 ه في رسالته ( سؤال في يزيد بن معاوية ) التي كتبها بعد قرون من
واقعة الطف الرهيبة منتصرا ليزيد منكرا كونه المردد لشعر ابن الزبعري : ليت أشياخي ببدر شهدوا
ص 14 . وقال في ص 15 : إنه [ يزيد ] قتل الحسين تشفيا ، وأخذ بثار أقاربه من الكفار فهو أيضا كاذب
مفتر . وقال أيضا في ص 17 : ومع هذا فيزيد لم يأمر بقتل الحسين ولا حمل رأسه إلى بين يديه ، ولا نكث
بالقضيب على ثناياه .
قال الغزالي : وقد زعمت طائفة أن يزيد بن معاوية لم يرض بقتل الحسين وادعوا أن قتله وقع خطأ .
وكيف يكون هذا وحال الحسين لا يحتمل الغلط لما جرى من قتاله ومكاتبة يزيد إلى ابن زياد به ،
وحثه على قتله ومنعه من الماء . وقتله عطشانا ، وحمل رأسه وأهله سبايا عرايا على أقتاب الجمال إليه ، وقرع
ثناياه بالقضيب ، ولما دخل علي بن الحسين عليه السلام على يزيد قال : أنت ابن الذي قتله الله . فقال :
أنا علي ابن من قتلته . ثم قرأ " ومن قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها " ( تذكرة الخواص
ص 62 ) .
ولما وفد مسلم بن زياد على يزيد بجله وكرمه تقديرا لأخيه عبيد الله بن زياد ، وقال له : لقد وجبت
مودتكم ومحبتكم على آل أبي سفيان وولاه خراسان ( ينابيع المودة 1 / 149 ، الصراط السوي في مناقب آل
النبي ص 85 ، الفتوح 5 / 254 ) .
وكتب إليه يزيد بعد مقتل الحسين عليه السلام : أفد علي لأجازيك على ما فعلت . ولما جاء استقبله
يزيد ، وقبل ما بين عينيه وأجلسه على سرير ملكه ، وقال للمغني : غن ، وللساقي : اسق . ثم قال :
اسقني شربة أروي فؤادي * ثم صل فاسق مثلها ابن زياد
موضع السر والأمانة عندي * وعلى ثغر مغنمي وجهادي
وأوصله ألف ألف درهم ، ومثلها لعمر بن سعد ، وأطلق له خراج العراق سنة ( مرآة الزمان في تواريخ
الأعيان ص 106 ) .
ولا أدري كيف يقول ابن تيمية ذلك الكلام رغم سعة اطلاعه كما يدعون إن لم يك متعمدا على
التناسي وقلب الحقائق ، والله خير الحاكمين .