أغلقوا الباب في وجه السياسة إلى الأبد . فقد استثمرت السياسة مواقف الصحابة
أفضل استثمار . واشتقت من أحداث السقيفة ومواقف عمر وعثمان ما بنيت على
أساسه قواعد العلاقة بين الحاكم والمحكوم . . ( 45 )
إلا أن هذا الاستدلال الذي بناه ابن حجر على الآية يعد من فلتأته . فقد تابع
أهل السنة في مواقفهم التي تبرر أفعال الصحابة وممارستهم على أساس السياسة
وعلى أساس كونهم عدول مجتهدون . . ( 46 )
والحق أن موقف عمر كان رزية كبيرة تسببت في تعويق مسيرة الإسلام وضياع
الأمة وشتاتها بين الحكام والفقهاء وأهل الأهواء . . وهو فعل يضاف إلى سيئات
الرجل وليس محمدة له كما يحاول فقهاء التبرير تصوير ذلك .
والعقل لا يقبل أن يحمل مثل هذا السلوك من قبل عمر على محمل الخير . أي
خير في معارضة نبي ؟ وإذا اعتبرناه مجتهدا فهل يحق له الاجتهاد على أمر رسول
الله . . ؟
وقول عمر حسبنا كتاب الله قول مغرض . فهو لم يكن من الحافظين لكتاب الله
المسلمين بأحكامه وإن كان مخترعو الأحاديث وفقهاء التبرير قد حاولوا أن يضفوا
عليه صفة الفقيه المجتهد ويدل على ذلك موقفه بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) حين
ادعى عدم موته وهدد القائلين بموته وهو موقف لا ينم عن علمه بطبيعة الرسالة
ودور الرسول . ولم يتخذ هذا الموقف أحد سواه حتى جاء أبو بكر ففقهه بالآية .
فقال كأني أسمعها أول مرة . . ( 47 )
إن موقف عمر ومن حالفه إنما يشير إلى أن هناك جبهة من الصحابة كانت ضد
كتابة الوصية وموقف هذه الجبهة إنما ينبع من يقينها أن هذه الوصية ليست في
صالحها . إذ لا يعقل أن ترفض أمة وصية نبيها في احتضاره وهي تعلم أنه خاتم
الرسل . فإن عدم وجود رسل من بعده يجعل الحاجة لهذه الوصية أشد وأكثر
مصيرية .
هامش
( 45 ) سوف نبين الأمر في الفصول القادمة . .
( 46 ) أنظر العواصم وكتب العقائد . ويعتبر أهل السنة عدالة الصحابة من العقائد . .
( 47 ) أنظر المحطة الثالثة