ولقد حدد الإمام علي نهجه في الحكم فور تسلمه السلطة بقوله : لم تكن
بيعتكم إياي فلتة . وليس أمري وأمركم واحد . إني أريدكم لله وأنتم تريدونني
لأنفسكم . أيها الناس أعينوني على أنفسكم وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه .
ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها . . ( 11 )
إن الإمام يوضح من خلال كلمته عدة حقائق وإشارات هامة حول صورة
الحكم . فهو يوجه نقده لطريقة وصول أبي بكر للحكم مشيرا أن بيعته إنما تمت
بإرادة المسلمين وحريتهم دون ضغوط كما حدث في أمر السقيفة . ثم هو يعلنها
صراحة أنه سوف يضرب أصحاب المصالح والأهواء والقبليين الذين استثمروا
الأوضاع السابقة لصالحهم وحققوا المكاسب على حساب المسلمين وبواسطة أنظمة
الحكم السابقة . .
ولقد أوضح الإمام الرؤية للمسلمين كحاكم بقوله : لن يسرع أحد قبلي إلى
دعوة حق وصلة رحم وعائدة كرم . فاسمعوا قولي وعوا منطقي عسى أن تروا هذا
الأمر من بعد هذا اليوم تنتضى فيه السيوف وتخان فيه العهود حتى يكون بعضكم
أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة . . ( 12 )
والإمام بتوضيح هذه الرؤية للرعية إنما يضرب مثلا رائعا في الأمانة والمصارحة
لهم في مواجهة الأحداث القادمة التي تهدد وحدة الأمة . .
والإمام يرفض اغتصاب السلطة والاستسلام للأمر الواقع بقوله : أيها الناس إن
أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه فإن شغب شاغب
استعتب فإن أبى قوتل . ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة
الناس فما إلى ذلك سبيل ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس
للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار . . ( 13 )
هامش
( 11 ) أنظر المرجع السابق خطبة رقم 134 / 339
( 12 ) المرجع السابق خطبة رقم 137 / 344 . .
( 13 ) المرجع السابق خطبة رقم 171 / 408 . .