ويحاول المؤرخون توجيه اللوم للإمام علي وتخطئته لإصداره قرار عزل معاوية
فور توليه الحكم وكان الواجب عليه أن يتركه على الشام حتى تنجلي الأمور . .
ومثل هذا التصور إنما ينبع من رؤية سطحية لطبيعة الصراع . رؤية تنبنى على
أساس أن المسألة لا تخرج عن كونها مجرد - صراع داخلي بين حاكم وواحد من
ولاته . وتنبنى أيضا على أساس أن معاوية يتحرك وفق دائرة المصلحة . .
ولو كان هؤلاء المؤرخون يفقهون شخصية الإمام علي ويقدرون دوره ويعطونه
مكانته لكان من الممكن أن يفهموا أن موقف الإمام من معاوية إنما هو موقف
يفرضه المبدأ الإسلامي . .
لوفقه هؤلاء شخصية معاوية وتاريخه ومكانته الوضيعة ما تبنوا هذه الرؤية . .
إن هؤلاء . المؤرخين كغيرهم من الفقهاء سقطوا ضحية السياسة وسلموا بما بين
يديهم من أطروحات وروايات دون أن يعقلوها ويراجعوها على أساس أن هذا
الأطروحات والروايات إنما وصلتهم من رجال عدول ثقات . . ( 11 )
لقد حكم معاوية الشام سبعة عشر عاما مكن لنفسه فيها وارتبط مصيره بها
وكانت بالنسبة له بمثابة دولة وليست ولاية . .
ولأن الإمام كان يفقه حقيقة معاوية والاتجاه الذي يمثله والدور الذي سوف
يلعبه كان لا بد من أن يتبنى هذا الموقف تجاهه . .
حقيقة معاوية أنه شيطان هذه الأمة . .
والاتجاه الذي يمثله هو الباطل . .
والدور الذي سوف يلعبه هو ضرب الإسلام النبوي . .
وأمام شخص كهذا لا تصح المساومات والمداهنات وأنصاف الحلول لأنها سوف
تكون على حساب الحق وسوف ينتج عنها دعم الباطل . .
من هنا كان السيف هو الحل الذي فرض نفسه . فلم يكن أمام معاوية سواه
ليواجه به الإمام فهو لا يملك أية مقومات أخرى ليواجهه بها . .
هامش
( 11 ) أنظر لنا كتاب فقه الهزيمة فصل الحديث وانظر باب انعكاسات الخط الأموي . .