استحقاق منقبة ما بهذا لا يدل على بقاء استحقاقها دائما .
وبعضهم ذكر أن الأتقى في قوله تعالى * ( وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي
ماله ) * ( 1 ) هو أبو بكر ، والأتقى لا يفعل أمرا يوجب دخول النار ، فلم يكن في أمر
الخلافة غاصبا .
وفيه أنه نقل أن الأتقى في الآية هو أبو الدحداح ، حيث اشترى نخلة شخص
لأجل جاره ، وقد عرض النبي ( صلى الله عليه وآله ) على صاحب النخلة نخلة في الجنة فأبى ، فسمع
أبو الدحداح فاشتراها ببستان له ووهبها للجار ، فجعل له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بستانا
عوضها في الجنة .
وفي المواقف وشرحه في الاستدلال على كون الآية في شأن أبي بكر : أنه يمنع قوله
تعالى * ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى ) * كون نزولها في شأن علي ( عليه السلام ) لأن
عنده نعمة التربية ، لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ربى عليا وهي نعمة تجزى ، والإجماع على أن
هذا الأتقى هو أحدهما لا غير .
أقول : لم ينحصر نعمة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في التربية ( 2 ) ، بل توفيق الإسلام وفضيلة
هامش
( 1 ) الليل : 17 - 18 .
( 2 ) فإن قلت : النعم التي وصلت من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من التبليغ وما يتبعه إلى المؤمنين لا
تجزى ، بدليل قوله تعالى * ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) * فالنعم المشتركة
والمختصة التي ذكرتها ليست داخلة في النعم التي تحتاج إلى الجزاء ، لكن نعمة التربية لا تعلق
لها بالنبوة والرسالة ، فهي نعمة تجزي ، فاختصاص أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بنعمة التربية مانع
عن كون نزول آية * ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى ) * في شأنه ( عليه السلام ) .
قلت : تمسكك بآية * ( قل لا أسألكم ) * يدل على سؤال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جزاء نعمة
التربية ، وهذا لا وجه له ، لأن كما أمته لا يطلبون الأجر والجزاء من أمثال تلك النعمة ،
فكيف يليق نسبة طلب الجزاء إليه ( صلى الله عليه وآله ) ؟
فإن قلت : لا أقول بسؤال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الأجر على التربية ، لكن أقول عدم سؤال
الأجر عليها لا يستلزم عدم كونها مما يجزى ، فلا يلزمني القول بسلب صفة كمال اتصف بها
كمل الأمة هي عدم سؤال الأجر عن مثل التربية عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى تستبعده ، بل
أقول إن نعمة التربية نعمة تجزى ، أي يستحق بها الجزاء ، وآية * ( وما لأحد عنده من نعمة
تجزى ) * تسلب أن يكون لأحد على من نزلت في شأنه نعمة تجزى ، أي يستحق بها الجزاء ،
فلا يكون نزولها في شأنه ( عليه السلام ) .
قلت : وأن أيضا لا أقول بسؤال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الأجر على التبليغ مثلا ، لكن أقول عدم
سؤال الأجر عليه لا يستلزم عدم كونه مما يجزى ، فإن لم تقل بالتخصيص الذي ذكرته في
الأصل لا يتحقق في واحد من المؤمنين ما يصدق في شأنه ظاهر قوله تعالى * ( وما لأحد
عنده من نعمة تجزى ) * على أن ما نقل في موضعه من سبب نزول الآية يدل على عدم سؤال
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الأجر المالي عليه ، وظاهر أن أحدا له أدنى تميز لا يقول بسؤال رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) المال التربية حتى تكون مانعا عن نزولها في شأن أمير المؤمنين ( صلى الله عليه وآله ) " منه " .