تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدرك سفينة البحار — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
وحشة الليل متخشعون ، كأنهم شنان بوالي ، قد أخلصوا لله أعمالا سرا وعلانية ، فلم تأمن من فزعه قلوبهم ، بل كانوا كمن حرسوا قباب خراجهم ، فلو رأيتهم في ليلتهم وقد نامت العيون ، وهدأت الأصوات ، وسكنت الحركات ، من الطير في الوكور ، وقد نهنههم هول يوم القيامة بالوعيد عن الرقاد كما قال سبحانه : * ( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ) * فاستيقظوا لها فزعين ، وقاموا إلى صلواتهم معولين ، باكين تارة وأخرى مسبحين ، يبكون في محاريبهم ويرنون ، يصطفون ليلة مظلمة بهماء يبكون . فلو رأيتهم يا أحنف في ليلتهم قياما على أطرافهم منحنية [ ظهورهم ] ، يتلون أجزاء القرآن لصلواتهم قد اشتدت إعوالهم ونحيبهم وزفيرهم ، إذا زفروا خلت النار قد أخذت منهم إلى حلاقيمهم ، وإذا أعولوا حسبت السلاسل قد صفدت في أعناقهم ، فلو رأيتهم في نهارهم إذا لرأيت قوما يمشون على الأرض هونا ، ويقولون للناس حسنا * ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) * ، * ( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) * ، قد قيدوا أقدامهم من التهمات ، وأبكموا ألسنتهم أن يتكلموا في أعراض الناس ، وسجموا أسماعهم أن يلجها خوض خائض ، وكحلوا أبصارهم بغض البصر عن المعاصي ، وانتحوا دار السلام التي من دخلها كان آمنا من الريب والأحزان . فلعلك يا أحنف شغلك نظرك في وجه واحدة تبدي الأسقام بغاضرة وجهها ، ودار قد اشتغلت بنفس روأتها ، وستور قد علقتها ، والريح والآجام موكلة بثمرها ، وليست دارك هذه دار البقاء فأحمتك الدار التي خلقها سبحانه من لؤلؤة بيضاء ، فشقق فيها أنهارها [ وغرس فيها أشجارها ، وظل عليها بالنضج من أثمارها ] وكبسها بالعوابق من حورها ، ثم أسكنها أولياءه وأهل طاعته . فلو رأيتهم يا أحنف وقد قدموا على زيادات ربهم سبحانه ، فإذا ضربت جنائبهم ، صوتت رواحلهم بأصوات لم يسمع السامعون بأحسن منها ، وأظلتهم غمامة فأمطرت عليهم المسك والرادن وصهلت خيولها بين أغراس تلك الجنان ،