ولنا مع هذا الحديث وتفسيره وقفة :
أوّلاً : إنّ النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » كان يكلّم الناس على قدر عقولهم شأن كلّ نبي ، فهذه التأويلات التي ارتكبها الشارح مفاهيم لا يقف عليها إلاّ من توغّل في العلوم العقلية ، وليس المخاطب إلاّ نظراء أبي موسى ، فأين هؤلاء من هذه التأويلات ؟ !
ثانياً : انّ السُّبحة في اللغة تعني الدعاء ، قال في اللسان : سميت الصلاة تسبيحاً ، لأنّ التسبيح تعظيم للّه وتنزيهه عن كلّ سوء ( 1 ) وتفسيره بنور اللّه ووجهه وبهائه شيء لا تدل عليها مادة الكلمة ، وإنّما جرّهم إلى ذلك التفسير لأجل جعل الرواية ذات مفهوم صحيح .
ونقل ابن الجوزي عن أبي عبيدة : لم نسمع السُّبُحات إلاّ في هذا الحديث . ( 2 )
ويظهر من المقاييس : انّه ليس لتلك المادة إلاّ معنيان ، أحدهما جنس من العبادة والآخر جنس من السعي ، فالأوّل السُّبحة ومن هذا الباب التسبيح ، وهو تنزيه اللّه جلّ ثناؤه عن كلّ سوء ، وعلى ذلك فتفسير السبحة بالأنوار لا دليل عليه في اللغة . ( 3 )
ثالثاً : انّ المتبادر من قوله من خلقه انّ « من » للتبعيض بشهادة قوله : « انتهى إليه بصره » فيكون خلقه أوسع من نور بصره .
وأنت إذا عرضت هذا الحديث على عربي صميم لم يشب ذهنه بهذه المعارف ، لفسَّر الحديث على وجه يلازم التجسيم ، وليس في الحديث قرينة على التأويل ، وإلاّ لكان التأويل مقدماً على غيره .
هامش
1 - لسان العرب : 2 ، مادة سبح .
2 - ابن الجوزي : دفع شبه التشبيه : 202 .
3 - المقاييس : 5 / 125 .