وأمّا ما أحدثه بعض متأخّري المتأخّرين ( 1 ) من توهّم التفصيل ، بأنّه لو كشف فعل منافي المروءة عن قلّة المبالاة في الدين بحيث لا يوثق معه بالتحرز عن الكبائر والاصرار على الصغائر كانت المروّة معتبرة ، وإلاّ فلا .
ففيه : أنّه ليس تفصيلا في كون المروءة معتبرة في معنى العدالة ، بل هو إنكار لاعتبارها مطلقاً حتى في الصورة الأُولى ، لوضوح الفرق بين كون وجود شيء مأخوذاً في مفهوم العدالة ليكون ماهيّة مركبة من جزءين أو أكثر ، وبين كون عدمه علامة لعدم انعقادها ، باعتبار انتفاء سائر أجزائها أو عدم الوثوق بوجود سائر الأجزاء ، لعدم كون ذلك من اعتبار وجوده معها في شيء ، فليتدبّر .
وقد يتمسّك لاعتبار المروّة - بناء على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في لفظ العدالة - بكونه القدر المتيقّن ممّا أخذ في المسمّى الشرعي ، المفروض كونه مجملا ، فوجب الأخذ به والاقتصار عليه في ترتيب الأحكام والآثار المعلّقة على العدالة .
ويزيّفه ، مع أنّه ليس إثباتاً لحقيقة المعنى الشرعي في الواقع ، بل هو احتياط في العمل تحصيلا لليقين باحراز موضوع الأحكام المعلّقة على العدالة ، منع كون المرجع على تقدير الاجمال في المسمّى الشرعي هو الاحتياط على إطلاقه ، بل قد يكون هو الأصل النافي لاعتبار ما زاد على اجتناب الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر ، وهو على تقدير التعويل عليه وارد على الاحتياط ، مع وضوح المنع من دعوى الاجمال بعد ملاحظة ما بيّناه من دلالة قوله ( عليه السلام ) : « وأن يعرف باجتناب
الكبائر » على عدم اعتبار المروءة ، محافظة على اطّراد التعريف .
هذا مع امكان استظهار عدم الاعتبار أيضاً من قوله : « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً أو لم يشهد عليه الشاهدان فهو من أهل العدالة والستر ، وشهادته مقبولة » في رواية صالح بن علقمة ( 2 ) لقضائه بكون المدار في العدالة ثبوتاً وانتفاءً
هامش
( 1 ) راجع رسالة العدالة للشيخ الأنصاري ( رسائل فقهية ) : 22 حيث نقل نص العبارة عن بعض متأخّري المتأخّرين .
( 2 ) الوسائل 27 : 395 ب 41 من أبواب الشهادات ح 13 .