لم يقولوا بتحقّق الاصرار الموجب للفسق بصدور الصغيرة مع عدم تكفيره
بالاستغفار ، ولا مكفّر آخر إلاّ شاذّ منهم ، فإنّه قد يقال : بناءً على وجوب التوبة مطلقاً على الفور أنّ المعصية مع ترك التوبة بل تأخيرها أيضاً لا تنفكّ عن الاصرار ، بناءً على تفسيره بمداومة جنس المعصية ولزومه ، لأنّ ترك التوبة أو تأخيرها إخلال بواجب آخر فوري ، فيكون معصية أُخرى بعد المعصية الأُولى .
ولكن يزيّفه أنّ أوامر التوبة كأوامر الإطاعة إرشاديّة يقصد بها علاج مفسدة المعصية الواقعة والتخلّص من العقوبة المعدّة لها ، فلا يترتّب على مخالفتها سوى بقاء تلك المفسدة ، كما لا يترتّب على موافقتها سوى زوال تلك المفسدة ، لا لأجل أنّهما من آثار المخالفة والموافقة ، بل لأجل أنّهما من خواصّ نفس المأمور به تركاً وفعلا المترتّبة عليهما ولو مع عدم ورود هذه الأوامر ، كما في أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء إستعلاجاً لمرضه ، فلا يترتّب على ترك التوبة حينئذ عقاب آخر زائد على العقاب المترتّب على المعصية السابقة ، فلا يندرج في المعاصي المنقسمة إلى الكبيرة والصغيرة ليتحقّق بصدوره الاصرار على الصغيرة الموجب للفسق .
وقد يدفع هذ القول أيضاً بمنع وجوب التوبة عن المعاصي مطلقاً ، بل هو مختصّ بالكبائر ، وأمّا الصغائر فهي مكفّرة عنه باجتناب الكبائر وبالأعمال الصالحة فلا حاجة لتكفيرها - وهو ستر الإثم وتغطيته - حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل ، والظاهر بناؤه في دعوى التكفير باجتناب الكبائر وبالأعمال الصالحة على قوله تعالى : ( إنْ تَجْتَنِبُوا كبائِرَ ما تُنْهَونَ عَنْهُ نُكفِّر عَنْكُمْ سَيّئاتِكُمْ ) ( 1 ) و ( إنَّ الحَسَناتَ يُذْهِبْنَ السَّيِئات ) ( 2 ) وما بمعناهما من الآيات والروايات .
ومن مشايخنا ( 3 ) من تنظّر فيه بما ملخّصه : أنّ أدلّة وجوب التوبة عامّة للكبائر والصغائر كما سنذكرها ، فتكون التوبة عن الصغيرة أيضاً واجبة على الفور ،
هامش
( 1 ) النساء : 31 .
( 2 ) هود : 114 .
( 3 ) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري ( رسائل فقهية ) : 52 و 53 نقلا بالمضمون .