فالإنصاف : أنّ تأسيس أصالة الصحّة بإسلام المسلم مَعَ انضمام أصل العدم - على وجه مطّرد في جميع الموارد المشتبهة - غير ممكن ، كما أنّ تأسيسه بالغلبة غير ممكن ، فالعمدة في هذا المقام إنّما هو الرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة .
فقد يقال : إنّه يدلّ عليه الأدلّة الأربعة بأجمعها كتاباً وسنّة وإجماعاً وعقلا .
فمن الكتاب : قوله عزّ من قائل : ( يا أيّها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظنّ إنّ بعض الظنّ إثم ) ( 1 ) .
وجه الدلالة : إنّ بعض الظنّ الذي حكم الله سبحانه بكونه إثماً وإن كان مجملا ، إلاّ أنَّ القدر المتيقّن منه هو الظنّ بفساد فعل المسلم ، والمراد بظن الفساد ترتيب آثار الفساد عليه ، فيكون منهيّاً عنه ، فيدلّ بالالتزام على وجوب ظنّ الصحّة ، على معنى ترتيب آثار الصحّة عليه ، لانتفاء الواسطة عمّا بينهما .
وقد يقرّر بأنَّ الأمر بالاجتناب عن كثير من الظنّ المعلّل بكون بعض الظنّ إثماً ممّا يقتضي الاجتناب عن جميع الظنون ، لاستدعاء الشغل اليقيني البراءة اليقينيّة ، فيندرج فيها ظنّ الفساد بالأفعال ، وإذا حرم ذلك وجب ظنّ الصحّة على معنى ترتيب آثارها .
والجواب عن التقريرين : أنّ المنهي عنه ظنّ الفساد بمعنى القبح وعدم المشروعيّة في فعل المسلم ، وهو الذي يعبّر عنه بسوء الظنّ ، وهو لا يفيد المطلوب .
سلّمنا ، ولكن لا يلزم من حرمة ترتيب آثار الفساد وجوب ترتيب آثار الصحّة ، لإمكان الواسطة بينهما ، وهو الوقف المتحصّل بعدم ظنّ الفساد وظنّ الصحّة معاً ، وانتفاء الواسطة إنّما هو في نفس الفساد والصحّة لا في ظنّهما .
وأمّا ما عن القاضي - في تفسير القاضي في تفسير الآية : من أنّ أقسام الظنون
ثلاث : منها ما هو المحرّم وهو ظنّ السوء بالله ومعارفه وظنّ السوء بإخوان الدين
هامش
( 1 ) الحجرات : 12 .