المقرّب إلى الشيطان ، وإذا سامح فيه فلا أقلّ من أن لا يسامح في التوبة منه والندم
عليه ، ولقد ذكر إلى التوبة طريقاً ، وهو ذكر ما ورد في فضلها ، والعلم بقبح الذنوب ، وشّدة العقوبة عليها ، وضعف النفس عن الاحتمال ، وشرف الآخرة ، وخساسة الدنيا ، وقرب الموت ، ولذّة المعرفة ، والمناجاة الممتنعة مع الاصرار ، وخوف الامهال ، والاستدراج بعدم المؤاخذة الحاليّة ، والتوسعة الماليّة - أعاذنا الله من تبعات النفس - وحبّ الدنيا ، وطول الأمل البالغة بصاحبها في سلك المستدرجين .
وإذ قد عرفت أنّ روح التوبة هو الندم على ما سلف من الذنب فهل يعتبر فيها مع ذلك العزم على عدم العود في المستقبل فمن ندم ولم يعزم ليس بتائب ؟ قيل : نعم وعزى إلى ظاهر الأكثر ( 1 ) ، وقيل : لا ، ونسب إلى مذهب جمع من العلماء .
والتحقيق أنّ الندم الباعث على الرجوع إلى الله الناشئ من الإيمان بسوء العاقبة وشدّة العقوبة لا ينفكّ عن العزم ، بمعنى الجزم بعدم العود إليه أبداً ، وفي بعض الأخبار أيضاً - على ما ستعرفه - دلالة على اعتباره . وأمّا الوثوق والاطمئنان بحصول المعزوم عليه إلى الأبد فهو من صاحب النفس الأمّارة ومن يمكن في حقّه غلبة الشهوة وهوى النفس مرّة أُخرى ، بل كرّة بعد أُولى فغير ممكن عادة ، ولعلّ معتبري العزم لم يعتبروه أيضاً اكتفاء منهم بالعزم على عدم العود مطلقاً .
ويدلّ عليه الأخبار الدالّة على قبول التوبة للنقض كالمروي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ( 2 ) .
وما روي عن الصادق ( عليه السلام ) في قوله تعالى : ( تُوبُوا إِلى الله توبةً نَصُوحَاً ) ( 3 ) قال : هو الذنب الذي لا يعود فيه أبداً ، قيل : وأيّنا لم يعد ؟ قال : يا فلان إنّ الله يحب من عباده المفتن التواب ( 4 ) يعني كثير الذنب كثير التوبة .
وعن الباقر ( عليه السلام ) قال لمحمّد بن مسلم : ذنوب المؤمن إذا تاب عنها مغفورة له
هامش
( 1 ) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري ( رسائل فقهية ) : 55 .
( 2 ) البحار 93 : 282 ح 23 .
( 3 ) التحريم : 8 .
( 4 ) الكافي 2 : 432 ح 4 .