العفاة واصلة ، وزموع المعروف بوجود وجوده عامرة آهلة ، جرى من الوقار والسكون
والطمأنينة والعفة والنزاهة والخمول في النباهة ، على وتيرة نبوية وشنشنة علوية ،
ونفس زكية ، وهمة عليه ، ولا يقاربها أحد من الأنام ، ولا يدانيها ، وطريقة حسنة لا
يشاركه فيها خلق ، ولا يطمع فيها " ( 1 ) .
وقال الشبلنجي : " ومناجاته ( رضي الله عنه ) كثيرة ، قال في الصواعق : كان أبو الحسن
العسكري وارث أبيه علما وسخاءا " ( 2 ) .
بعث المتوكل العباسي يحيى بن هرثمة لجلب الإمام ( عليه السلام ) . يقول يحيى : " فذهبت إلى
المدينة ، فلما دخلتها ضج أهلها ضجيجا عظيما ، ما سمع الناس مثله ، خوفا على علي ،
وقامت الدنيا على ساق ، لأنه كان محسنا إليهم ، ملازما للمسجد ، لم يكن عنده ميل إلى
الدنيا ، قال يحيى : فجعلت أسكنهم ، وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه ، وأنه لا بأس
عليه ، ثم فتشت منزله ، فلم أجد إلا مصاحف وأدعية ، وكتب العلم ، فعظم في عيني " ( 3 ) .
وسعي بالإمام الهادي إلى المتوكل مرة أخرى وهو في سامراء وقيل له : إن في
منزله سلاحا وكتبا وغيرها من شيعته ، فوجه إليه من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في
منزله على غفلة ممن في داره ، فوجده في بيت وحده مغلق عليه ، وعليه مدرعة من شعر ،
ولا بساط في البيت إلا الرمل والحصى ، وعلى رأسه ملحفة من الصوف ، متوجها إلى
ربه ، يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد فأخذ كل ما وجد عليه ، وحمل إلى
المتوكل في جوف الليل ، فمثل بن يديه ، والمتوكل يشرب وفي يده كأس ، فلما رآه أعظمه
وأجلسه إلى جنبه ، ولم يكن في منزله شئ مما قيل فيه ، ولا حالة يتعلل عليه بها ،
فناوله المتوكل الكأس الذي في يده ، فقال له ( عليه السلام ) : ما خامر لحمي ودمي قط ، فاعفني منه
هامش
1 - الفصول المهمة : ص 270 .
2 - نور الأبصار : ص 149 .
3 - تذكرة الخواص : ص 202 .