أما قوله " حملنا الأمر في ذلك منهم على التوقي في الحديث . . . وعلى الاشتغال
بالعبادة والأسفار . . . " فهو يعني أن الله لم يختر الصحابة لتبليغ دينه لأنه ( 1 ) يعلم أن
السفر والجهاد والاشتغال بالعبادة والتوقي في الحديث سيمنعهم من الرواية ! ! وهذا
ما لا يقبله المنطق السليم ، فالله لا يقبل بهذا لأن إبقاء السنن في صدورهم معناه إضعاف
الإسلام وتعطيل مواده !
وهذه الأسباب التي ذكرها ، ليست بمانع للرواية عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فالصحابة لم
يكونوا منشغلين بالعبادة والأسفار في الجهاد مثل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومع ذلك استطاع
الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يوصل الإسلام كاملا .
ويعترف رشيد رضا السلفي بضياع السنن حيث قال : " ونحن نجزم بأننا نسينا
وأضعنا من حديث نبينا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حظا عظيما ! ! ! ! لعدم كتابة علماء الصحابة كل ما سمعوه
ولكن ليس منه ما هو بيان للقرآن أو من أمور الدين " ( 2 ) .
لا أدري كيف علم رشيد رضا بأن هذه الأحاديث المنسية الضائعة ليست مما هو
بيان للقرآن وأمور الدين وهي مفقودة ؟ ! فإذا كان قد اطلع عليها فهي ليست ضائعة !
فقوله هذا مجرد ظن لا يعول عليه . . ولذلك فنحن نقبل شهادته ولا نقبل تأويله . وقال
محمد محي الدين عبد الحميد : " فأما سنة رسول الله فلم تكتب ، وليس فيهم - أي
الصحابة - من يدعي حفظها جميعها ولا أكثرها ، وكل واحد منهم قد فاته من قول
الرسول أو فعله الشئ الكثير " ( 3 ) .
وقول محيي الدين بأن كل صحابي قد فاته من سنة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الشئ الكثير ،
هو اعتراف ضمني بضياع السنن .
ويعترف أبو شهبة صاحب كتاب - دفاع عن السنة - بضياع السنة والأخبار ،
هامش
1 - ذكر قوله أبو رية في الأضواء : ص 50 .
2 - من تقديمه لكتاب توضيح الأفكار ، الصنعاني : ص 15 .