تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
الوجه الرابع : في التأويل أن يكون * ( في ) * بمعنى الباء ، وحروف الجر يقام بعضها مقام البعض ، وتقديره هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام والملائكة ، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة . الوجه الخامس : أن المقصود من الآية تصوير عظمة يوم القيامة وهولها وشدتها ، وذلك لأن جميع المذنبين إذا حضروا للقضاء والخصومة ، وكان القاضي في تلك الخصومة أعظم السلاطين قهراً وأكبرهم هيبة ، فهؤلاء المذنبون لا وقت عليهم أشد من وقت حضوره لفصل تلك الخصومة ، فيكون الغرض من ذكر إتيان الله تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع ، ونظيره قوله تعالى : * ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات يمينه ) * ( الزمر : 67 ) من غير تصوير قبضة وطي ويمين ، وإنما هو تصوير لعظمة شأنه لتمثيل الخفي بالجلي ، فكذا ههنا والله أعلم . الوجه السادس : وهو أوضح عندي من كل ما سلف : أنا ذكرنا أن قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) * ( البقرة : 208 ) إنما نزلت في حق اليهود ، وعلى هذا التقدير فقوله : * ( فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم ) * ( البقرة : 209 ) يكون خطاباً مع اليهود ، وحينئذ يكون قوله تعالى : * ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) * ( البقرة : 210 ) حكاية عن اليهود ، والمعنى : أنهم لا يقبلون دينك إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ، ألا ترى أنهم فعلوا مع موسى مثل ذلك فقالوا : * ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) * ( البقرة : 55 ) وإذا كان هذا حكاية عن حال اليهود ولم يمنع إجراء الآية على ظاهرها ، وذلك لأن اليهود كانوا على مذهب التشبيه ، وكانوا يجوزون على الله المجئ والذهاب ، وكانوا يقولون : إنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام على الطور في ظلل من الغمام وطلبوا مثل ذلك في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، وعلى هذا التقدير يكون هذا الكلام حكاية عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه ، فلا يحتاج حينئذ إلى التأويل ، ولا إلى حمل اللفظ على المجاز ، وبالجملة فالآية تدل على أن قوماً ينتظرون أن يأتيهم الله ، وليس في الآية دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أو مبطلون ، وعلى هذا التقدير يسقط الإشكال . فإن قيل : فعلى هذا التأويل كيف يتعلق به قوله تعالى : * ( وإلى الله ترجع الأمور ) * . قلنا : الوجه فيه أنه تعالى لما حكى عنادهم وتوقفهم في قبول الدين على هذا الشرط الفاسد ، فذكر بعده ما يجري مجرى التهديد فقال : * ( وإلى الله ترجع الأمور ) * وهذا الوجه أظهر عندي من كل ما سبق ، والله أعلم بحقيقة كلامه .