تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
الوجه الأول : وهو مذهب السلف الصالح أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة أن المجئ والذهاب على الله تعالى محال ، علمنا قطعاً أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية هو المجئ والذهاب ، وأن مراده بعد ذلك شئ آخر فإن عينا ذلك المراد لم نأمن الخطأ ، فالأولى السكوت عن التأويل ، وتفويض معنى الآية على سبيل التفصيل إلى الله تعالى ، وهذا هو المراد بما روي عن ابن عباس أنه قال : نزل القرآن على أربعة أوجه : وجه لا يعرفه أحد لجهالته ، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه ووجه نعرفه من قبل العربية فقط ، ووجه لا يعلمه إلا الله وهذا القول قد استقصينا القول فيه في تفسير قوله تعالى : * ( ألم ) * . الوجه الثالث : وهو قول جمهور المتكلمين : أنه لا بد من التأويل على سبيل الفصيل ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول : المراد * ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ) * أي آيات الله فجعل مجئ الآيات مجيئاً له على التفخيم لشأن الآيات ، كما يقال : جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته ، والذي يدل على صحة هذا التأويل أنه تعالى قال في الآية المتقدمة * ( فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم ) * ( البقرة : 209 ) فذكر ذلك في معرض الزجر والتهديد ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : * ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ) * ومعلوم أن التقدير أن يصح المجئ على الله لم يكن مجرد حضوره سبباً للتهديد والزجر ، لأنه عند الحضور كما يزجر الكفار ويعاقبهم ، فهو يثيب المؤمنين ويخصهم بالتقريب ، فثبت أن مجرد الحضور لا يكون سبباً للتهديد والوعيد ، فلما كان المقصود من الآية إنما هو الوعيد والتهديد ، وجب أن يضمر في الآية مجئ الهيبة والقهر والتهديد ، ومتى أضمرنا ذلك زالت الشبهة بالكلية ، وهذا تأويل حسن موافق لنظم الآية . والوجه الثاني : في التأويل أن يكون المراد * ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ) * أي أمر الله ، ومدار الكلام في هذا الباب أنه تعالى إذا ذكر فعلاً وأضافه إلى شئ ، فإن كان ذلك محالاً فالواجب صرفه إلى التأويل ، كما قاله العلماء في قوله : * ( الذين يحارون الله ) * والمراد يحاربون أولياءه ، وقال : * ( واسأل القرية ) * ( يوسف : 82 ) والمراد : واسأل أهل القرية ، فكذا قوله : * ( يأتيهم الله ) * المراد به يأتيهم أمر الله ، وقوله : * ( وجاء ربك ) * ( الفجر : 22 ) المراد : جاء أمر ربك ، وليس فيه إلا حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، وهو مجاز مشهور ، يقال : ضرب الأمير فلاناً ، وصلبه ، وأعطاه ، والمراد أنه أمر بذلك ، لا أنه تولى ذلك العمل بنفسه ، ثم الذي يؤكد القول بصحة هذا التأويل وجهان الأول : أن قوله ههنا : * ( يأتيهم الله ) * وقوله : * ( وجاء ربك ) * إخبار عن حال القيامة ، ثم ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال : * ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك ) * ( النحل : 33 ) فصار هذا الحكم مفسراً