تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
تعالى فقد طعن في دليل الخليل عليه السلام وكذب الله في تصديق الخليل عليه السلام في ذلك . سادسها : أن فرعون لعنة الله تعالى عليه لما سأل موسى عليه السلام فقال : * ( وما رب العالمين ) * ( الشعراء : 23 ) وطلب منه الماهية والجنس والجوهر ، فلو كان تعالى جسماً موصوفاً بالأشكال والمقادير لكان الجواب عن هذا السؤال ليس إلا بذكر الصورة والشكل والقدر : فكان جواب موسى عليه السلام بقوله : * ( رب السماوات والأرض ) * ( مريم : 65 ) * ( ربكم ورب آبائكم الأولين ) * ( الدخان : 8 ) * ( رب المشرق والمغرب ) * ( المزمل : 9 ، الشعراء : 28 ) خطأ وباطلاً ، وهذا يقتضي تخطئة موسى عليه السلام فيما ذكر من الجواب ، وتصويب فرعون في قوله : * ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ) * ( الشعراء : 27 ) ولما كان كل ذلك باطلاً ، علمنا أنه تعالى منزه عن أن يكون جسماً ، وأن يكون في مكان ، ومنزه عن أن يصح عليه المجئ والذهاب وسابعها : أنه تعالى قال : * ( قل هو الله أحد ) * ( الإخلاص : 1 ) والأحد هو الكامل في الوحدانية وكل جسم فهو منقسم بحسب الغرض والإشارة إلى جزأين ، فلما كان تعالى أحداً امتنع أن يكون جسماً أو متحيزاً ، فلما لم يكن جسماً ولا متحيزاً امتنع عليه المجئ والذهاب ، وأيضاً قال تعالى : * ( هل تعلم له سمياً ) * ( مريم : 65 ) أي شبيهاً ولو كان جسماً متحيزاً لكان مشابهاً للأجسام في الجسمية ، إنما الاختلاف يحصل فيما وراء الجسمية ، وذلك إما بالعظم أو بالصفات والكيفيات ، وذلك لا يقدح في حصول المشابهة في الذات ، وأيضاً قال تعالى * ( ليس كمثله شئ ) * ( الشورى : 11 ) ولو كان جسماً لكان مثلاً للأجسام وثامنها : لو كان جسماً متحيزاً لكان مشاركاً لسائر الأجسام في عموم الجسمية ، فعند ذلك لا يخلو إما أن يكون مخالفاً في خصوص ذاته المخصوصة ، وإما أن لا يكون فإن كان الأول فما به المشاركة غير ما به الممايزة ، فعموم كونه جسماً مغاير لخصوص ذاته المخصوصة ، وهذا محال لأنا إذا وصفنا تلك الذات المخصوصة بالمفهوم من كونه جسماً كنا قد جعلنا الجسم صفة وهذا محال لأن الجسم ذات الصفة ، وإن قلنا بأن تلك الذات المخصوصة التي هي مغايرة للمفهوم من كونه جسماً وغير موصوف بكونه جسماً ، فحينئذ تكون ذات الله تعالى شيئاً مغايراً للمفهوم من الجسم ، وغير موصوف به وذلك ينفي كونه تعالى جسماً ، وإما إن قيل : إن ذاته تعالى بعد أن كانت جسماً لا يخالف سائر الأجسام في خصوصية ، فحينئذ يكون مثلاً لها مطلقاً ، وكل ما صح عليها فقد صح عليه ، فإذا كانت هذه الأجسام محدثة وجب في ذاته أن تكون كذلك ، وكل ذلك محال ، فثبت أنه تعالى ليس بجسم ، ولا بمتحيز ، وأنه لا يصح المجئ والذهاب عليه . إذا عرفت هذا فنقول : اختلف أهل الكلام في قوله : * ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ) * وذكروا فيه وجوهاً .