تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
الإفساد بإلقاء الشبهة قال : كما أن الدين الحق أمر أن أولهما العلم ، وثانيهما العمل ، فكذا الدين الباطل أمران أولهما الشبهات ، وثانيهما فعل المنكرات ، فههنا ذكر تعالى أولاً من ذلك الإنسان اشتغاله بالشبهات ، وهو المراد بقوله : * ( ليفسد فيها ) * ثم ذكر ثانياً إقدامه على المنكرات ، وهو المراد بقوله : * ( ويهلك الحرث والنسل ) * ولا شك في أن هذا التفسير أولى ثم من قال سبب نزول الآية أن الأخنس مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر قال : المراد بالحرث الزرع ، وبالنسل تلك الحمر ، والحرث هو ما يكون منه الزرع ، قال تعالى : * ( أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه ) * ( الواقعة : 63 ) وهو يقع على كل ما يحرث ويزرع من أصناف النبات ، وقيل : إن الحرث هو شق الأرض ، ويقال لما يشق به : محرث ، وأما النسل فهو على هذا التفسير نسل الدواب ، والنسل في اللغة : الولد ، واشتقاقه يحتمل أن يكون من قولهم : نسل ينسله إذا خرج فسقط ، ومنه نسل ريش الطائر ، ووبر البعير ، وشعر الحمار ، إذا خرج فسقط ، والقطعة منها إذا سقطت نسالة ، ومنه قوله تعالى : * ( إلى ربهم ينسلون ) * ( يس : 51 ) أي يسرعون ، لأنه أسرع الخروج بحدة ، والنسل الولد لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه ، والناس نسل آدم ، وأصل الحرف من النسول وهو الخروج ، وأما من قال : إن سبب نزول الآية : أن الأخنس بيت على قوم ثقيف وقتل منهم جمعاً ، فالمراد بالحرث : إما النسوان لقوله تعالى : * ( نساؤكم حرث لكم ) * ( البقرة : 223 ) أو الرجال وهو قول قوم من المفسرين الذين فسروا الحرث بشق الأرض ، إذ الرجال هم الذين يشقون أرض التوليد ، وأما النسل فالمراد منه الصبيان . واعلم أنه على جميع الوجوه فالمراد بيان أن ذلك الفساد فساد عظيم لا أعظم منه لأن المراد منها على التفسير الأول . إهلاك النبات والحيوان ، وعلى التفسير الثاني : إهلاك الحيوان بأصله وفرعه ، وعلى الوجهين فلا فساد أعظم منه ، فإذن قوله : * ( ويهلك الحرث والنسل ) * من الألفاظ الفصيحة جداً الدالة مع اختصارها على المبالغة الكثيرة ونظيره في الاختصار ما قاله في صفة الجنة * ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) * ( الزخرف : 71 ) وقال : * ( أخرج منها ماءها ومرعاها ) * ( النازعات : 31 ) . فإن قيل : أفتدل الآية على أنه يهلك الحرث والنسل ، أو تدل على أنه أراد ذلك ؟ . قلنا : إن قوله : * ( سعى في الأرض ليفسد فيها ) * دل على أن غرضه أن يسعى في ذلك ، ثم قوله : * ( ويهلك الحرث والنسل ) * إن عطفناه على الأول لم تدل الآية على وقوع ذلك ، فإن تقدير الآية هكذا : سعى في الأرض ليفسد فيها ، وسعى ليهلك الحرث والنسل ، وإن جعلناه كلاماً مبتدأ منقطعاً عن الأول ، دل على وقوع ذلك ، والأول أولى ، وإن كانت الأخبار المذكورة في سبب نزول