تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
الناس به قالوا : نعم الرأي ما رأيت ، قال : فإذا نودي في الناس بالرحيل فإني أتخنس بكم فاتبعوني ثم خنس بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمي لهذا السبب أخنس ، وكان اسمه : أبي بن شريق ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه ، وعندي أن هذا القول ضعيف وذلك لأنه بهذا الفعل لا يستوجب الذم وقوله تعالى : * ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه ) * مذكور في معرض الذم فلا يمكن حمله عليه بل القول الأول هو الأصح . والرواية الثانية : في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس والضحاك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك ، فبعث إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرجيع ، ووصل الخبر إلى الكفار ، فركب منهم سبعون راكباً وأحاطوا بهم وقتلوهم وصلبوهم ، ففيهم نزلت هذه الآية ، ولذلك عقبه من بعد بذكر من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله منبهاً بذلك على حال هؤلاء الشهداء . القول الثاني : في الآية وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين ، أن هذه الآية عامة في حق كل من كان موصوفاً بهذه الصفات المذكورة ، ونقل عن محمد بن كعب القرظي ، أنه جرى بينه وبين غيره كلام في هذه الآية ، فقال إنها وإن نزلت فيمن ذكر فلا يمتنع أن تنزل الآية في الرجل ثم تكون عامة في كل من كان موصوفاً بتلك الصفات ، والتحقيق في المسألة أن قوله : * ( ومن الناس ) * إشارة إلى بعضهم ، فيحتمل الواحد ويحتمل الجمع ، وقوله : * ( ويشهد الله ) * لا يدل على أن المراد به واحد من الناس لجواز أن يرجع ذلك إلى اللفظ دون المعنى وهو جمع وأما نزوله على المسبب الذي حكيناه فلا يمتنع من العموم ، بل نقول : فيها ما يدل على العموم ، وهو من وجوه أحدها : أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية ، فلما ذم الله تعالى قوماً ووصفهم بصفات توجب استحقاق الذم ، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات ، فيلزم أن كل من كان موصوفاً بتلك الصفات أن يكون مستوجباً للذم وثانيها : أن الحمل على العموم أكثر فائدة ، وذلك لأنه يكون زجراً لكل المكلفين عن تلك الطريق المذمومة وثالثها : أن هذا أقرب إلى الاحتياط لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص ، وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم في غيره فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى ، إذا عرفت هذا فنقول : اختلفوا في أن الآية هل تدل على أن الموصوف بهذه الصفات منافق أم لا ، والصحيح أنها لا تدل على ذلك ، لأن الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة ، وشئ منها لا يدل على النفاق