تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
عليه العدول عنه . أما قوله تعالى : * ( ويكون الدين لله ) * فهذا يدل على حمل الفتنة على الشرك ، لأنه ليس بين الشرك وبين أن يكون الدين كله لله واسطة والمراد منه أن يكون تعالى هو المعبود المطاع دون سائر ما يعبد ويطاع غيره ، فصار التقدير كأنه تعالى قال : وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويثبت الإسلام ، وحتى يزول ما يؤدي إلى العقاب ويحصل ما يؤدي إلى الثواب ، ونظيره قوله تعالى : * ( تقاتلونهم أو يسلمون ) * ( الفتح : 16 ) وفي ذلك بيان أنه تعالى إنما أمر بالقتال لهذا المقصود . أما قوله تعالى : * ( فإن انتهوا ) * فالمراد : فإن انتهوا عن الأمر الذي لأجله وجب قتالهم ، وهو إما كفرهم أو قتالهم ، فعند ذلك لا يجوز قتالهم ، وهو كقوله تعالى : * ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) * ( الأنفال : 38 ) . أما قوله تعالى : * ( فلا عدوان إلا على الظالمين ) * ففيه وجهان الأول : فإن انتهوا فلا عدوان ، أي فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون على الكفر فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم على ما قال تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * . فإن قيل : لم سمي ذلك القتل عدواناً مع أنه في نفسه حق وصواب ؟ . قلنا : لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه كقوله تعالى : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) وقوله تعالى : * ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى علكيم ، ومكروا ومكر الله فيسخرون منهم سخر الله منهم ) * ( لقمان : 13 ) والثاني : إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين فنسلط عليكم من يعتدي عليكم . * ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) * . اعلم أن الله تعالى لما أباح القتال وكان ذلك منكراً فيما بينهم ، ذكر في هذه الآية ما يزيل ذلك فقال : * ( الشهر الحرام بالشهر الحرام ) * وفيه وجوه أحدها : روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية للعمرة وكان ذلك في ذي القعدة