الثاني : أن هذه الآية إنما نزلت وقت ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة لقضاء العمرة ، وكانت تلك العمرة لا بد من أن تفضي إلى القتال إن منعهم المشركون ، فكانت عمرة وجهاداً ، واجتمع فيه المعنيان ، فلما كان الأمر كذلك ، لا جرم قال تعالى : * ( وأنفقوا في سبيل الله ) * ولم يقل : وأنفقوا في الجهاد والعمرة .
أما قوله تعالى : * ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) * ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أبو عبيدة والزجاج * ( التهلكة ) * الهلاك يقال : هلك يهلك هلاكاً وهلكاً وتهلكة : قال الخارزنجي : لا أعلم في كلام العرب مصدراً على تفعلة بضم العين إلا هذا ، قال أبو علي : قد حكى سيبويه : التنصرة والتسترة ، وقد جاء هذا المثال اسماً غير مصدر ، قال : ولا نعلمه جاء صفة قال صاحب " الكشاف " : ويجوز أن يقال أصله التهلكة ، كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر هكذا فأبدلت الضمة بالكسرة ، كما جاء الجوار في الجوار .
وأقول : إني لأتعجب كثيراً من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع ، وذلك أنهم لو وجدوا شعراً مجهولاً يشهد لما أرادوه فرحوا به ، واتخذوه حجة قوية ، فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة ، أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها .
المسألة الثانية : اتفقوا على أن الباء في قوله : * ( بأيديكم ) * تقتضي إما زيادة أو نقصاناً فقال قوم : الباء زائدة والتقدير : ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة . وهو كقوله : جذبت الثوب بالثوب ، وأخذت القلم بالقلم فهما لغتان مستعملتان مشهورتان ، أو المراد بالأيدي الأنفس كقوله : * ( بما قدمت يداك ) * ( الحج : 10 ) أو * ( بما كسبت أيديكم ) * ( الشورى : 30 ) فالتقدير : ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة ، وقال آخرون : بل ههنا حذف . والتقدير : ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة .
المسألة الثالثة : قوله : * ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) * اختلف المفسرون فيه ، فمنهم من قال : إنه راجع إلى نفس النفقة ، ومنهم من قال : إنه راجع إلى غيرها ، أما الأولون فذكروا فيه وجوه
الأول : أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم ، فيستولي العدو عليهم ويهلكهم ، وكأنه قيل : إن كنت من رجال الدين فأنفق مالك في سبيل الله وفي طلب مرضاته ، وإن كنت من رجال الدنيا فأنفق مالك في دفع الهلاك والضرر عن نفسك
الوجه الثاني : أنه تعالى لما أمره بالإنفاق نهاه عن أن ينفق كل ماله ، فإن إنفاق كل المال يفضي إلى التهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول والمشروب والملبوس فكان المراد منه ما ذكره
تفسير الرازي — صفحة 149
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٤٩