تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
كل إلقاء قول أو فعل أدلاء ، ومنه يقال للمحتج : أدلى بحجته ، كأنه يرسلها ليصير إلى مراده كإدلاء المستقي الولد ليصل إلى مطلوبه من الماء ، وفلان يدلى إلى الميت بقرابة أو رحم ، إذا كان منتسباً إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة ، طلب المستحق بالدلو الماء ، إذا عرفت هذا فنقول : أنه داخل في حكم النهي ، والتقدير : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، ولا تدلوا إلى الحكام ، أي لا ترشوها إليهم لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالباطل ، وفي تشبيه الرشوة بالإدلاء وجهان أحدهما : أن الرشوة رشاء الحاجة ، فكما أن الدلو المملوء من الماء يصل من البعيد إلى القريب بواسطة الرشاء فالمقصود البعيد يصير قريباً بسبب الرشوة والثاني : أن الحاكم بسبب أخذ الرشوة يمضي في ذلك الحكم من غير تثبت كمضي الدلو في الإرسال ، ثم المفسرون ذكروا وجوهاً أحدها : قال ابن عباس والحسن وقتادة : المراد منه الودائع وما لا يقوم عليه بينة وثانيها : أن المراد هو مال اليتيم في ي الأوصياء يدفعون بعضه إلى الحاكم ليبقى عليهم بعضه وثالثها : أن المراد من الحاكم شهادة الزور ، وهو قول الكلبي ورابعها : قال الحسن : المراد هو أن يحلف ليذهب حقه وخامسها : هو أن يدفع إلى الحاكم رشوة ، وهو أقرب إلى الظاهر ، ولا يبعد أيضاً حمل اللفظ على الكل ، لأنها بأسره أكل بالباطل . أما قوله تعالى : * ( وأنتم تعلمون ) * فالمعنى وأنتم تعلمون أنكم مبطلون ، ولا شك أن الإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح ، وصاحبه بالتوبيخ أحق ، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال ، اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم : عالم بالخصومة وجاهل بها ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للعالم ، فقال من قضى عليه : يا رسول الله والذي لا إله إلا هو إني محق فقال : إن شئت أعاوده ، فعاوده فقضى للعالم ، فقال المقضى عليه مثل ما قال أولاً ثم عاوده ثالثاً ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : " من اقتطع حق امرئ مسلم بخصومته فإنما اقتطع قطعة من النار " فقال العالم المقضي له : يا رسول الله إن الحق حقه ، فقال عليه الصلاة والسلام : " من اقتطع بخصومته وجد له حق غيره فليتبوأ مقعده من النار " . الحكم التاسع قوله تعالى * ( يَسْألُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ
تفسير الرازي — صفحة 130 | فخر الدين الرازي