تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
كالتأكيد لهذا النسخ ، وأما الذي يقول : إن قوله : * ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث ) * يفيد حل الرفث في الليل ، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به فيكون الناسخ هو قوله : * ( كلوا واشربوا ) * . أما قوله تعالى : * ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا في تشبيه الزوجين باللباس وجوها أحدها : أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه ، سمي كل واحد منهما لباساً ، قال الربيع : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن ، وقال ابن زيد : عن لباس لكن وأنتم لباس لهن ، يريد أن كل واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار الناس وثانيها : إنما سمي الزوجان لباساً ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل ، كما جاء في الخبر " من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه " وثالثها : أنه تعالى جعلها لباساً للرجل ، من حيث إنه يخصها بنفسه ، كما يخص لباسه بنفسه ، ويراها أهلاً لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس ورابعها : يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت ، لو لم تكن المرأة حاضرة ، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار وخامسها : ذكر الأصم أن المراد أن كل واحد منهما كان كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه ، وهذا ضعيف لأنه تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا ، فكيف يحمل على التستر بهن في المحظور . المسألة الثانية : قال الواحدي : إنما وحد اللباس بعد قوله * ( هن ) * لأنه يجري مجرى المصدر ، وفعال من مصادر فاعل ، وتأويله : هن ملابسات لكم . المسألة الثالثة : قال صاحب " الكشاف " : فإن قلت : ما موقع قوله : * ( هن لباس لكم ) * فنقول : هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال ، وهو أنه إذا حصلت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن ، وضعف عليكم اجتنابهن ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن . أما قوله تعالى : * ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : يقال : خانه يخونه خوناً وخيانة إذا لم يف له ، والسيف إذا نبا عن الضربة فقد خانك ، وخانه الدهر إذا تغير حاله إلى الشر ، وخان الرجل الرجل إذا لم يؤد الأمانة ، وناقض العهد خائن ، لأنه كان ينتظر منه الوفاء فغدر ، ومنه قوله تعالى : * ( وإما تخافن من قوم خيانة ) * ( الأنفال : 58 ) أي نقضاً للعهد ، ويقال للرجل المدين : إنه خائن ، لأنه لم يف بما يليق بدينه ، ومنه قوله تعالى : * ( لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ) * ( الأنفال : 27 ) وقال : * ( وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل ) * ( الأنفال : 71 )
تفسير الرازي — صفحة 116 | فخر الدين الرازي