تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
الجمهور على قولهم بوجوه . الحجة الأولى : أن قوله تعالى : * ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) * ( البقرة : 183 ) يقتضي تشبيه صومنا بصومهم ، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في صومهم ، فوجب بحكم هذا التشبيه أن تكون ثابتة أيضاً في صومنا ، وإذا ثبت أن الحرمة كانت ثابتة في شرعنا ، وهذه الآية ناسخة لهذه الحرمة لزم أن تكون هذه الآية ناسخة لحكم كان ثابتاً في شرعنا . الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى : * ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) * ولو كان هذا الحل ثابتا لهذه الأمة من أول الأمر لم يكن لقوله * ( أحل لكم ) * فائدة . الحجة الثالثة : التمسك بقوله تعالى : * ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) * ولو كان ذلك حلالاً لهم لما كان بهم حاجة إلى أن يختانون أنفسهم . الحجة الرابعة : قوله تعالى : * ( فتاب عليكم وعفا عنكم ) * ولولا أن ذلك كان محرماً عليهم وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ذلك الفعل ، لما صح قوله : * ( فتاب عليكم وعفا عنكم ) * . الحجة الخامسة : قوله تعالى : * ( فالآن باشروهن ) * ولو كان الحل ثابتا قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله : * ( فالآن باشروهن ) * فائدة . الحجة السادسة : هي أن الروايات المنقولة في سبب نزول هذه الآية دالة على أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا ، هذا مجموع دلائل القائلين بالنسخ ، أجاب أبو مسلم عن هذه الدلائل فقال : أما الحجة الأولى : فضعيفة لأنا بينا أن تشبيه الصوم بالصوم يكفي في صدقه مشابهتهما في أصل الوجوب . وأما الحجة الثانية : فضعيفة أيضاً لأنا نسلم أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرع من قبلنا ، فقوله : * ( أحل لكم ) * معناه أن الذي كان محرماً على غيركم فقد أحل لكم . وأما الحجة الثالثة : فضعيف أيضاً ، وذلك لأن تلك الحرمة كانت ثابتة في شرع عيسى عليه السلام ، وأن الله تعالى أوجب علينا الصوم ، ولم يبين في ذلك الإيجاب زوال تلك الحرمة فكان يخطر ببالهم أن تلك الحرمة كانت ثابتة في الشرع المتقدم ، ولم يوجد في شرعنا ما دل على زوالها فوجب القول ببقائها ، ثم تأكد هذا الوهم بقوله تعالى : * ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) * فإن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور ، فلما كانت هذه الحرمة ثابتة في الشرع المتقدم وجب أن تكون ثابتة في هذا الشرع ، وإن لم تكن حجة قوية إلا أنها لا أقل
تفسير الرازي — صفحة 113 | فخر الدين الرازي