النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعزل عن الحرة إلا باذنها وثالثها : أن يكون المعنى : ابتغوا المحل الذي كتب الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم ونظيره قوله تعالى : * ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) * ورابعها : أن هذا التأكيد تقديره : فالآن باشروهن وابتغوا هذه المباشرة التي كتبها لكم بعد أن كانت محرمة عليكم وخامسها : وهو على قول أبي مسلم : فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ، يعني هذه المباشرة التي كان الله تعالى كتبها لكم وإن كنتم تظنوها محرمة عليكم وسادسها : أن مباشرة الزوجة قد تحرم في بعض الأوقات بسبب الحيض والنفاس والعدة والردة فقوله : * ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) * يعني لا تباشروهن إلا في الأحوال والأوقات التي أذن لكم في مباشرتهن وسابعها : أن قوله : * ( فالآن باشروهن ) * إذن في المباشرة وقوله : * ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) * يعني لا تبتغوا هذه المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة لأن ذلك هو الذي كتب الله لكم بقوله : * ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) * ( المؤمنون : 6 ) وثامنها : قال معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء : يعني اطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب فيها إن وجدتموها ، وجمهور المحققين استبعدوا هذا الوجه ، وعندي أنه لا بأس به ، وذلك هو أن الإنسان ما دام قلبه مشتغلا بطلب الشهوة واللذة ، لا يمكنه حينئذ أن يتفرغ للطاعة والعبودية والحضور ، أما إذا قضى وطره وصار فارغاً من طلب الشهوة يمكنه حينئذ أن يتفرغ للعبودية ، فتقدير الآية : فالآن باشروهن حتى تتخلصوا من تلك الخواطر المانعة عن الإخلاص في العبودية ، وإذا تخلصتم منها فابتغوا ما كتب الله من الاخلاص في العبودية في الصلاة والذكر والتسبيح والتهليل وطلب ليلة القدر ، ولا شك أن هذه الرواية على هذا التقدير غير مستبعدة .
المسألة الثانية : * ( كتب ) * فيه وجوه أحدها : أن * ( كتب ) * في هذا الموضوع بمعنى جعل ، كقوله : * ( كتب في قلوبهم الإيمان ) * ( المجادلة : 22 ) أي جعل ، وقوله : * ( فاكتبنا مع الشاهدين ) * ( آل عمران : 53 ) * ( فأكتبها للذين يتقون ) * ( الأعراف : 156 ) أي اجعلها وثانيها : معناه قضى الله لكم كقوله : * ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) * ( التوبة : 51 ) أي قضاه ، وقوله : * ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) * وقوله : * ( لبرز الذين كتب عليهم القتل ) * أي قضى ، وثالثها : أصله هو ما كتب الله في اللوح المحفوظ مما هو كائن ، وكل حكم حكم به على عباده فقد أثبته في اللوح المحفوظ ورابعها : هو ما كتب الله في القرآن من إباحة هذه الأفعال .
المسألة الثالثة : قرأ ابن عباس * ( وابتغوا ) * وقرأ الأعمش * ( وابغوا ) * .
أما قوله : * ( وكلوا واشربوا ) * فالفائدة في ذكرهما أن تحريمهما وتحريم الجماع بالليل بعد النوم ، لما تقدم احتيج في إباحة كل واحد منها إلى دليل خاص يزول به التحريم ، فلو اقتصر تعالى
تفسير الرازي — صفحة 119
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١١٩