وقيل في الآية تقديم وتأخير وتقديره : ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين ، وإذا صح الكلام من غير تقديم وتأخير كان أولى ، قال الحسن : من الذين يستوجبون الكرامة وحسن الثواب على كرم الله تعالى .
* ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) *
اعلم أن هذا النوع الخامس من الأمور التي حكاها الله عن إبراهيم عليه السلام وفيه مسائل :
المسألة الأولى : موضع ( إذ ) نصب وفي عامله وجهان . الوجه الأول : أنه نصب باصطفيناه ، أي اصطفيناه في الوقت الذي قال له ربه أسلم ، فكأنه تعالى ذكر الاصطفاء ثم عقبه بذكر سبب الاصطفاء ، فكأنه لما أسلم نفسه لعبادة الله تعالى وخضع لها وانقاد علم تعالى من حاله أنه لا يتغير على الأوقات وأنه مستمر على هذه الطريقة ، وهو مع ذلك مطهر من كل الذنوب ، فعند ذلك اختاره للرسالة واختصه بها لأنه تعالى لا يختار للرسالة إلا من هذا حاله في البدء والعاقبة ، فإسلامه لله تعالى وحسن إجابته منطوق به ، فإن قيل قوله : * ( ولقد اصطفيناه ) * إخبار عن النفس وقوله : * ( إذ قال له ربه أسلم ) * إخبار عن المغايبة فكيف يعقل أن يكون هذا النظم واحداً ؟ قلنا : هذا من باب الالتفات الذي ذكرناه مراراً . الثاني : أنه نصب باضمار أذكر كأنه قيل : أذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن الله تعالى متى قال له أسلم ؟ ومنشأ الإشكال أنه إنما يقال له : أسلم في زمان لا يكون مسلماً فيه ، فهل كان إبراهيم عليه السلام غير مسلم في بعض الأزمنة ليقال له في ذلك الزمان أسلم ؟ فالأكثرون على أن الله تعالى إنما قال ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ ، وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس ، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها ، وإحاطته بافتقارها إلى مدبر يخالفها في الجسمية وأمارات الحدوث ، فلما عرف ربه قال له تعالى : * ( أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) * لأنه لا يجوز أن يقول له ذلك قبل أن عرف ربه ويحتمل أيضاً أن يكون قوله : * ( أسلم ) * كان قبل الاستدلال ، فيكون المراد من هذا القول لا نفس القول بل دلالة الدليل عليه على حسب مذاهب العرب في هذا كقول الشاعر :
امتلأ الحوض وقال قطني * مهلاً رويداً قد ملأت بطني
وأصدق دلالة منه قوله تعالى : * ( أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ) * ( الروم : 35 ) فجعل
تفسير الرازي — صفحة 79
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٧٩