تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
يعني : والفرقدان . القول الرابع : قال قطرب : موضع * ( الذين ) * خفض لأنه بدل من الكاف والميم في عليكم كأنه قيل : لئلا يكون عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنه يكون حجة عليهم وهم الكفار ، قال علي ابن عيسى : هذان الوجهان بعيدان . أما قوله تعالى : * ( فلا تخشوهم واخشوني ) * فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج ، ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم واخشوني ، يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم ، وهذه الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه : خشية عقاب الله ، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء البتة ، وأن لا يكون مشتغل القلب بهم ، ولا ملتفت الخاطر إليهم . أما قوله تعالى : * ( ولأتم نعمتي عليكم ) * فقد اختلفوا في متعلق اللام على وجوه . أحدها : أنه راجع إلى قوله تعالى : * ( لئلا يكون للناس عليكم حجة ، ولأتم نعمتي عليكم ) * فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين . إحداهما : لانقطاع حجتهم عنه . والثانية : لتمام النعمة ، وقد بين أبو مسلم بن بحر الأصفهاني ما في ذلك من النعمة ، وهو أن القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلون فلما حول صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس لحقهم ضعف قلب ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التحول إلى الكعبة لما فيه من شرف البقعة فهذا موضع النعمة . وثانيها : أن متعلق اللام محذوف ، معناه : ولإتمام النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك . وثالثها : أن يعطف على علة مقدرة ، كأنه قيل : واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم ، والقول الأول أقرب إلى الصواب فإن قيل : إنه تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : * ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) * ( المائدة : 3 ) فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم ، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية : * ( ولأتم نعمتي عليكم ) * قلنا : تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به ، وفي الحديث : " تمام النعمة دخول الجنة " وعن علي رضي الله عنه : تمام النعمة الموت على الإسلام . واعلم أن الذي حكيناه عن أبي مسلم رحمه الله من التشكك في صلاة الرسول وصلاة أمته إلى بيت المقدس ، فإن كان مراده أن ألفاظ القرآن لا تدل على ذلك فقد أصاب ، لأن شيئاً من ألفاظ القرآن لا دلالة فيه على ذلك البتة على ما بيناه ، وإن أراد به إنكاره أصلاً ، فبعيد ، لأن الأخبار