تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
في الصحيحين ، ورواه الشافعي رضي الله عنه أيضاً عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، أنه عليه الصلاة والسلام دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد ، وعثمان بن أبي طلحة وبلال فأغلقها عليه ومكث فيها ، قال عبد الله بن عمر : فسألت بلالاً حين خرج : ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : جعل عموداً عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ، ثم صلى ، واعلم أن الاستدلال بهذا الخبر ضعيف من وجوه . أحدها : أن خبر الواحد لا يعارض ظاهر القرآن . وثانيها : لعل تلك الصلاة كانت نافلة ، وذلك عند مالك جائز . وثالثها : أن مالكاً خالف هذا الخبر ومخالفة الراوي وإن كانت لا توجب الطعن في الخبر إلا أنها تفيد نوع مرجوحية بالنسبة إلى خبر واحد حلى عن هذا الطعن ، فكيف بالنسبة إلى القرآن . ورابعها : أن الشيخين أوردا في الصحيحين عن ابن جريح عن عطاء : سمعت ابن عباس قال : لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه ، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال : " هذه القبلة " والتعارض حاصل من وجهين . الأول : أن النفي والإثبات يتعارضان . والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : " هذه القبلة " يدل على أنه لا بد من توجه ذلك الموضع ومن جوز الصلاة داخل البيت لا يوجب عليه استقبال ذلك الموضع بل جوز استدباره . والجواب : عن استدلال مالك رحمه الله أن نقول قوله : ( وحيثما كنتم ) إما أن يكون صيغة عموم أو لا يكون فإن كان صيغة عموم فقد تناول الإنسان الذي يكون في البيت فكأنه تعالى أمر من كان في البيت أن يتوجه إليه ، فالآتي به يكون خارجاً عن العهدة ، وإن لم يكن صيغة عموم لم تكن الآية متناولة لهذه المسألة البتة ، فلا تدل على حكمها لا بالنفي ولا بالإثبات ، ثم المعتمد في المسألة أن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يتوجه إلى كل البيت ، بل إنما يمكنه أن يتوجه إلى جزء من أجزاء البيت والذي في البيت يتوجه إلى جزء من أجزاء البيت فقد كان آتياً بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة . المسألة الثامنة : اعلم أن الكعبة عبارة عن أجسام مخصوصة هي السقف والحيطان والبناء ، ولا شك أن تلك الأجسام حاصلة في أحياز مخصوصة ، فالقبلة إما أن تكون تلك الأحياز فقط ، أو تلك الأجسام فقط ، أو تلك الأجسام بشرط حصولها في تلك الأحياز لا جائز أن يقال أنها تلك الأجسام فقط ، لأنا أجمعنا على أنه لو نقل تراب الكعبة وما في بنائها من الأحجار والخشب إلى موضع آخر وبني به بناء وتوجه إليه أحد في الصلاة لم يجز ذلك ، ولا جائز أن يقال :