تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
والاضلال من الله تعالى قوله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) * . اعلم أن في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : الكاف في * ( كذلك ) * كاف التشبيه ، والمشبه به أي شيء هو ؟ وفيه وجوه . أحدها : أنه راجع إلى معنى يهدي ، أي كما أنعمنا عليكم بالهداية ، كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم أمة وسطاً . وثانيها : قول أبي مسلم تقريره كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وكذلك جعلناكم أمة وسطاً . وثالثها : أنه عائد إلى ما تقدم من قوله في حق إبراهيم عليه السلام : * ( ولقد اصطفيناه في الدنيا ) * ( البقرة : 130 ) أي فكما اصطفيناه في الدنيا فكذلك جعلناكم أمة وسطاً . ورابعها : يحتمل عندي أن يكون التقدير : * ( ولله المشرق والمغرب ) * ( البقرة : 115 ) فهذه الجهات بعد استوائها في كونها ملكاً لله وملكاً له ، خص بعضها بمزيد التشريف والتكريم بأن جعله قبلة فضلاً منه وإحساناً فكذلك العباد كلهم مشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد الفضل والعبادة فضلاً منه وإحساناً لا وجوباً . وخامسها : أنه قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً كقوله تعالى : * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * ( القدر : 1 ) ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه سبحانه هو القادر على إعزاز من شاء وإذلال من شاء فقوله : * ( وكذلك جعلناكم ) * أي ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه جعلناكم أمة وسطاً . المسألة الثانية : اعلم أنه إذا كان الوسط اسماً حركت الوسط كقوله : * ( أمة وسطاً ) * والظرف مخفف تقول : جلست وسط القوم ، واختلفوا في تفسير الوسط وذكروا أمور . أحدها : أن الوسط هو العدل والدليل عليه الآية والخبر والشعر والنقل والمعنى ، أما الآية فقوله تعالى : * ( قال أوسطهم ) * ( القلم : 28 ) أي أعدلهم ، وأما الخبر فما روى القفال عن الثوري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أمة وسطاً قال عدلاً " وقال عليه الصلاة والسلام : " خير الأمور أوسطها " أي أعدلها ، وقيل : كان النبي صلى الله عليه وسلم أوسط قريش نسباً ، وقال عليه الصلاة والسلام :
تفسير الرازي — صفحة 108 | فخر الدين الرازي