تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
واحد في صلاته إلى ناحية أخرى ، لكان ذلك يوهم اختلافاً ظاهراً ، فعين الله تعالى لهم جهة معلومة ، وأمرهم جميعاً بالتوجه نحوها ، ليحصل لهم الموافقة بسبب ذلك ، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحب الموافقة بين عباده في أعمال الخير . ورابعها : أن الله تعالى خص الكعبة بإضافتها إليه في قوله : * ( بيتي ) * وخص المؤمنين بإضافتهم بصفة العبودية إليه ، وكلتا الإضافتين للتخصيص والتكريم فكأنه تعالى قال : يا مؤمن أنت عبدي ، والكعبة بيتي ، والصلاة خدمتي ، فأقبل بوجهك في خدمتي إلى بيتي ، وبقلبك إلي . وخامسها : قال بعض المشايخ : إن اليهود استقبلوا القبلة لأن النداء لموسى عليه السلام جاء منه ، وذلك قوله : * ( وما كنت بجانب الغربي ) * ( القصص : 44 ) الآية ، والنصارى استقبلوا المغرب ، لأن جبريل عليه السلام إنما ذهب إلى مريم عليها السلام من جانب المشرق ، لقوله تعالى : * ( واذكرا في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً ) * ( مريم : 16 ) والمؤمنون استقبلوا الكعبة لأنها قبلة خليل الله ، ومولد حبيب الله ، وهي موضع حرم الله ، وكان بعضهم يقول : استقبلت النصارى مطلع الأنوار ، وقد استقبلنا مطلع سيد الأنوار ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن نوره خلقت الأنوار جميعاً . وسادسها : قالوا : الكعبة سرة الأرض ووسطها ، فأمر الله تعالى جميع خلقه بالتوجه إلى وسط الأرض في صلاتهم ، وهو إشارة إلى أنه يجب العدل في كل شيء ، ولأجله جعل وسط الأرض قبلة للخلق . وسابعها : أنه تعالى أظهر حبه لمحمد عليه الصلاة والسلام بواسطة أمره باستقبال الكعبة ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يتمنى ذلك مدة لأجل مخالفة اليهود ، فأنزل الله تعالى : * ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) * ( البقرة : 144 ) الآية ، وفي الشاهد إذا وصف واحد من الناس بمحبة آخر قالوا : فلان يحول القبلة لأجل فلان على جهة التمثيل ، فالله تعالى قد حول القبلة لأجل حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام على جهة التحقيق ، وقال : * ( فلنولينك قبلة ترضاها ) * ( البقرة : 144 ) ولم يقل قبلة أرضاها ، والإشارة فيه كأنه تعالى قال : يا محمد كل أحد يطلب رضاي وأنا أطلب رضاك في الدارين ، أما في الدنيا فهذا الذي ذكرناه وأما في الآخرة فقوله تعالى : * ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) * ( الضحى : 5 ) وفيه إشارة أيضاً إلى شرف الفقراء : * ( فتطردهم فتكون من الظالمين ) * ( الأنعام : 52 ) وقال في الإعراض عن القبلة : * ( ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ) * فكأنه تعالى قال : الكعبة قبلة وجهك ، والفقراء قبلة رحمتي ، فإعراضك عن قبلة وجهك ، يوجب كونك ظالماً ، فالأعراض عن قبلة رحمتي كيف يكون . وثامنها : العرش قبلة الحملة ، والكرسي قبلة البررة ، والبيت المعمور قبلة السفرة ، والكعبة قبلة المؤمنين ، والحق قبلة