تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
هذا العمل منهن أقوى ، قال أبو عبيدة : * ( النفاثات ) * هن بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي صلى الله عليه وسلم وثانيها : أن المراد من : * ( النفاثات ) * النفوس وثالثها : المراد منها الجماعات ، وذلك لأنه كلما كان اجتماع السحرة على العمل الواحد أكثر كان التأثير أشد القول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم : * ( من شر النفاثات ) * أي النساء في العقد ، أي في عزائم الرجال وآرائهم وهو مستعار من عقد الحبال ، والنفث وهو تليين العقدة من الحبل بريق يقذفه عليه ليصير حله سهلاً ، فمعنى الآية أن النساء لأجل كثرة حبهن في قلوب الرجال يتصرفن في الرجال يحولنهم من رأي إلى رأي ، ومن عزيمة إلى عزيمة ، فأمر الله رسوله بالتعوذ من شرهن كقوله : * ( إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم ) * فلذلك عظم الله كيدهن فقال : * ( إن كيدكن عظيم ) * . واعلم أن هذا القول حسن ، لولا أنه على خلاف قول أكثر المفسرين . المسألة الثالثة : أنكرت المعتزلة تأثير السحر ، وقد تقدمت هذه المسألة ، ثم قالوا : سبب الاستعاذة من شرهن لثلاثة أوجه أحدها : أن يستعاذ من إثم عملهن في السحر والثاني : أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن والثالث : أن يستعاذ من إطعامهن الأطعمة الرديئة المورثة للجنون والموت . * ( وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) * . قوله تعالى : * ( ومن شر حاسد إذا حسد ) * من المعلوم أن الحاسد هو الذي تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه ، ولا يكاد يكون كذلك إلا ولو تمكن من ذلك بالحيل لفعل ، فلذلك أمر الله بالتعوذ منه ، وقد دخل في هذه السورة كل شر يتوفى ويتحرز منه ديناً وديناً ، فلذلك لما نزلت فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولها لكونها مع ما يليها جامعة في التعوذ لكل أمر ، ويجوز أن يراد بشر الحاسد إثمه وسماجة حاله في وقت حسده وإظهاره أثره . بقي هنا سؤالان : السؤال الأول : قوله : * ( من شر ما خلق ) * عام في كل ما يستعاذ منه ، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد الجواب : تنبيهاً على أن هذه الشرور أعظم أنواع الشر . السؤال الثاني : لم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه ؟ الجواب : عرف النفاثات لأن كل نفاثة شريرة ، ونكر غاسقاً لأنه ليس كل غاسق شريراً ، وأيضاً ليس كل حاسد شريراً ، بل رب حسد يكون محموداً وهو الحسد في الخيرات . والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
تفسير الرازي — صفحة 196 | فخر الدين الرازي