تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
ويدل عليه وجوه الأول : أنه يلزم على هذا التقدير أن الذي أمر بالتعوذ منه هو الذي أمرنا أن نتعوذ به ، وذلك متناقض والثاني : أن أفعال الله كلها حكمة وصواب ، وذلك لا يجوز أن يقال : إنه شر والثالث : أن فعل الله لو كان شراً لوصف فاعله بأنه شرير ويتعالى الله عن ذلك والجواب : عن الأول أنا بينا أنه لا امتناع في قوله أعوذ بك منك ؟ وعن الثاني أن الإنسان لما تألم به فإنه يعد شراً ، فورد اللفظ على وفق قوله ، كما في قوله : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * وقوله : * ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) * وعن الثالث أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية ، ثم الذي يدل على جواز تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى : * ( إذا مسه الشر جزوعاً ) * وقوله : * ( وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) * وكان عليه السلام : " وأعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار " . المسألة الثانية : طعن بعض الملحدة في قوله : * ( قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ) * من وجوه أحدها : أن المستعاذ منه أهو واقع بقضاء الله وقدره ، أولاً بقضاء الله ولا بقدره ؟ فإن كان الأول فكيف أمر بأن يستعيذ بالله منه ، وذلك لأن ما قضى الله به وقدره فهو واقع ، فكأنه تعالى يقول : الشيء الذي قضيت بوقوعه ، وهو لا بد واقع فاستعذ بي منه حتى لا أوقعه ، وإن لم يكن بقضائه وقدره فذلك يقدح في ملك الله وملكوته وثانيها : أن المستعاذ منه إن كان معلوم الوقوع فلا دافع له ، فلا فائدة في الاستعاذة وإن كان معلوم اللاوقوع ، فلا حاجة إلى الاستعاذة وثالثها : أن المستعاذ منه إن كان مصلحة فكيف رغب المكلف في طلب دفعه ومنعه ، وإن كان مفسدة فكيف خلقه وقدره ، واعلم أن الجواب عن أمثال هذه الشبهات ، أن يقال إنه : * ( لا يسأل عما يفعل ) * وقد تكرر هذا الكلام في هذا الكتاب . * ( وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ) * . قوله تعالى : * ( ومن شر غاسق إذا وقب ) * ذكروا في الغاسق وجوهاً أحدها : أن الغاسق هو الليل إذا عظم ظلامه من قوله : * ( إلى غسق الليل ) * ومنه غسقت العين إذا امتلأت دمعاً وغسقت الجراحة إذا امتلأت دماً ، وهذا قول الفراء وأبي عبيدة ، وأنشد ابن قيس : إن هذا الليل قد غسقا * واشتكيت الهم والأرقا وقال الزجاج الغاسق في اللغة هو البارد ، وسمي الليل غاسقاً لأنه أبرد من النهار ، ومنه قوله إنه الزمهرير وثالثها : قال قوم : الغاسق والغساق هو السائل من قولهم : غسقت العين تغسق غسقاً إذا سالت بالماء ، وسمي الليل غاسقاً لانصباب ظلامه على الأرض ، أما الوقوب فهو الدخول في شيء آخر بحيث يغيب عن العين ، يقال : وقب يقب وقوباً إذا دخل ، الوقبة النقرة لأنه يدخل فيها الماء ، والإيقاب إدخال الشيء في الوقبة ، هذا ما يتعلق باللغة وللمفسرين في الآية أقوال :
تفسير الرازي — صفحة 194 | فخر الدين الرازي