تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق ، فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكاً ، لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره ويكون هو غنياً عن غيره ، ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته ، فحينئذ يعرفه إلهاً . المسألة الرابعة : السبب في تكرير لفظ الناس أنه إنما تكررت هذه الصفات ، لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار ، ولأن هذا التكرير يقتضي مزيد شرف الناس ، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه رباً للناس ، ملكاً للناس ، إلهاً للناس . ولولا أن الناس أشر مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه رباً وملكاً وإلهاً لهم . المسألة الخامسة : لا يجوز ههنا مالك الناس ويجوز : * ( مالك يوم الدين ) * في سورة الفاتحة ، والفرق أن قوله : * ( رب الناس ) * أفاد كونه مالكاً لهم فلا بد وأن يكون المذكور عقيبه هذا الملك ليفيد أنه مالك ومع كونه مالكاً فهو ملك ، فإن قيل : أليس قال في سورة الفاتحة : * ( رب العالمين ) * ثم قال : * ( مالك يوم الدين ) * فليزم وقوع التكرار هناك ؟ قلنا اللفظ دل على أنه رب العالمين ، وهي الأشياء الموجودة في الحال ، وعلى أنه مالك ليوم الدين أي قادر عليه فهناك الرب مضاف إلى شيء والمالك إلى شيء آخر فلم يلزم التكرير ، وأما ههنا لو ذكر المالك لكان الرب والمالك مضافين إلى شيء واحد ، فيلزم منه التكرير فظهر الفرق ، وأيضاً فجواز القراءات يتبع النزول لا القياس ، وقد قرىء مالك لكن في الشواذ . * ( مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ) * . قوله تعالى : * ( من شر الوسواس الخناس ) * الوسواس اسم بمعنى الوسوسة ، كالزلزال بمعنى الزلزلة ، وأما المصدر فوسواس بالكسر كزلزال والمراد به الشيطان سمي بالمصدر ، كأنه وسوسة في نفسه لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه ، نظيره قوله : * ( إنه عمل غير صالح ) * والمراد ذو الوسواس وتحقيق الكلام في الوسوسة قد تقدم في قوله : * ( فوسوس لهما الشيطان ) * وأما الخناس فهو الذي عادته أن يخنس منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والنفاثات ، عن سعيد بن جبير إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى ، فإذا غفل وسوس إليه . * ( الَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ ) * . قوله تعالى : * ( الذي يوسوس في صدور الناس ) * . اعلم أن قوله : * ( الذي يوسوس ) * يجوز في محله الحركات الثلاث فالجر على الصفة والرفع والنصب على الشتم ، ويحسن أن يقف القارئ على الخناس ويبتدئ الذي يوسوس ، على أحد هذين الوجهين .