وتؤمن أنت ، فسأل يوسف ربه أن يكشف الضر عن جميع أهل البلاء في ذلك الوقت ، فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل ، وروى أن دعاءه في الجب : يا عدتي في شدتي ويا مؤنسي في وحشتي ويا راحم غربتي ويا كاشف كربتي ويا مجيب دعوتي ، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ارحم صغر سني وضعف ركني وقلة حيلتي يا حي يا قوم يا ذا الجلال والإكرام الخامس : لعل تخصيص الصبح بالذكر في هذا الموضع لأنه وقت دعاء المضطرين وإجابة الملهوفين فكأنه يقول : قل أعوذ برب الوقت الذي يفرج فيه عن كل مهموم السادس : يحتمل أنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة لأن الخلق كالأموات والدور كالقبور ، ثم منهم من يخرج من داره مفلساً عرياناً لا يلتفت إليه ، ومنهم من كان مديوناً فيجر إلى الحبس ، ومنهم من كان ملكاً مطاعاً فتقدم إليه المراكب ويقوم الناس بين يديه ، كذا في يوم القيامة بعضهم مفلس عن الثواب عار عن لباس التقوى يجر إلى الملك الجبار ، ومن عبد كان مطيعاً لربه في الدنيا فصار ملكاً مطاعاً في العقبى يقدم إليه البراق السابع : يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه وقت الصلاة الجامعة لأحوال القيامة فالقيام في الصلاة يذكر القيام يوم القيامة كما قال : * ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) * والقراءة في الصلاة تذكر قراءة الكتب والركوع في الصلاة يذكر من القيامة قوله : * ( ناكسوا رؤوسهم ) * والسجود في الصلاة يذكر قوله : * ( ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ) * والقعود يذكر قوله : * ( وترى كل أمة جاثية ) * فكان العبد يقول : إلهي كما خلصتني من ظلمة الليل فخلصني من هذه الأهوال ، وإنما خص وقت صلاة الصبح لأن لها مزيد شرف على ما قال : * ( إن قرآن الفجر كان مشهوداً ) * أي تحضرها ملائكة الليل والنهار الثامن : أنه وقت الاستغفار والتضرع على ما قال : * ( والمستغفرين بالأسحار ) * القول الثاني : في الفلق أنه عبارة عن كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات : * ( إن الله فالق الحب والنوى ) * والجبال عن العيون : * ( وإن منها لما يتفجر منه الأنهار ) * والسحاب عن الأمطار والأرحام عن الأولاد والبيض عن الفرخ والقلوب عن المعارف ، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انقلاب ، بل العدم كأنه ظلمة والنور كأنه الوجود ، وثبت أنه كان الله في الأزل ولم يكن معه شيء البتة فكأنه سبحانه هو الذي فلق بحار ظلمات العدم بأنوار الإيجاد والتكوين والإبداع ، فهذا هو المراد من الفلق ، وهذا التأويل أقرب من وجوه أحدها : هو أن الموجود إما الخالق وإما الخلق ، فإذا فسرنا الفلق بهذا التفسير صار كأنه قال : قل أعوذ برب جميع الممكنات ، ومكون كل المحدثات والمبدعات . فيكون التعظيم فيه أعظم ، ويكون الصبح أحد الأمور الداخلة في هذا المعنى وثانيها : أن كل موجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ، والممكن لذاته يكون موجوداً بغيره ، معدوماً في حد ذاته ، فإذن كل ممكن فلا بد له من مؤثر يؤثر فيه حال حدوثه ويبقيه حال بقائه ، فإن الممكن حال بقائه يفتقر إلى المؤثر والتربية ، إشارة لا إلى حال الحدوث بل إلى حال البقاء ، فكأنه يقول : إنك لست محتاجاً إلى حال
تفسير الرازي — صفحة 192
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩٢