تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
قد رآه في السماء فماذا تقدون فيه وفيه مسائل : المسألة الأولى : الواو يحتمل أن تكون عاطفة ، ويحتمل أن تكون للحال على ما بيناه ، أي كيف تجادلونه فيما رآه ، على وجه لا يشك فيه ؟ ومع ذلك لا يحتمل إيراد الشكوك عليه ، فإن كثيراً ما يشك المعتقد لشيء فيه ولكن تردد عليه الشكوك ولا يمكنه الجواب عنها ، ولا تثريب مع ذلك في أن الأمر كما ذكرنا من المثال ، لأنا لا نشك في أن البحار ما صارت ذهباً والجبال ما صارت عهناً ، وإذا أورد علينا مورد شكا ، وقال وقت نومك يحتمل أن الله تعالى قلبها ثم أعادها لا يمكننا الجواب عنه مع أنا لا نشك في استمرارها على ما هي عليه ، لا يقال اللام تنافي كون الواو للحال ، فإن المستعمل يقال أفتمارونه ، وقد رأى من غير لام ، لأنا نقول الواو التي للحال تدخل على جملة والجملة تتركب من مبتدأ وخبر ، أو هن فعل وفاعل ، وكلاهما يجوز فيه اللام . المسألة الثانية : قوله * ( نزلة ) * فعلة من النزول فهي كجلسة من الجلوس ، فلا بد من نزول ، فذلك النزول لمن كان ؟ نقول فيه وجوه ، وهي مرتبة على أن الضمير في رآه عائد إلى من وفيه قولان الأول : عائد إلى الله تعالى أي رأى الله نزلة أخرى ، وهذا على قول من قال * ( ما رأى ) * في قوله * ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) * ( النجم : 11 ) هو الله تعالى . وقد قيل بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه مرتين ، وعلى هذا فالنزلة تحتمل وجهين أحدهما : أنها لله ، وعلى هذا فوجهان أحدهما : قول من يجوز على الله تعالى الحركة والانتقال وهو باطل وثانيهما : النزول بالقرب المعنوي لا الحسي فإن الله تعالى قد يقرب بالرحمة والفضل من عبده ولا يراه العبد ، ولهذا قال موسى عليه السلام * ( رب أرني ) * ( البقرة : 260 ) أي أزل بعض حجب العظمة والجلال ، وادن من العبد بالرحمة والإفضال لأراك . الوجه الثاني : أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى الله نزلة أخرى ، وحينئذ يحتمل ذلك وجهين أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على متن الهوى ومركب النفس ولهذا يقال لمن ركب متن هواه إنه علا في الأرض واستكبر ، قال تعالى : * ( علا في الأرض ) * ( القصص : 4 ) ثانيهما : أن المراد من النزلة ضدها وهي العرجة كأنه قال رآه عرجة أخرى ، وإنما اختار النزلة ، لأن العرجة التي في الآخرة لا نزلة لها فقال نزلة ليعلم أنها من الذي كان في الدنيا والقول الثاني : أنه عائد إلى جبريل عليه السلام أي رأى جبريل نزلة أخرى ، والنزلة حينئذ يحتمل أن تكون لمحمد صلى الله عليه وسلم كما ذكرناه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم على ما ورد في بعض أخبار ليلة المعراج ، جاوز جبريل عليه السلام ، وقال له جبريل عليه السلام لو دنوت أنملة لاحترقت ، ثم عاد إليه فذلك نزلة . فإن قيل فكيف قال : * ( أخرى ) * ؟ نقول لأن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصلاة تردد مراراً فربما كان يجاوز كل مرة ، وينزل إلى جبريل ، ويحتمل أن تكون لجبريل عليه السلام وكلاهما منقول وعلى هذا الوجه فنزلة أخرى ظاهر ، لأن جبريل كان له نزلات وكان له نزلتان عليه وهو على صورته ، وقوله تعالى : * ( عند سدرة المنتهى ) * المشهور أن السدرة شجرة في السماء السابعة وعليها
تفسير الرازي — صفحة 291 | فخر الدين الرازي