تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
* ( الحي القيوم ) * ( آل عمران : 2 ) أي حي لا يموت فيحتاج إلى ولد يرثه ، وهو قيوم لا يتغير ولا يضعف ، فيفتقر إلى ولد ليقوم مقامه ، لأنه ورد في نصارى نجران . ثم إن الله تعالى بيّن هذا بأبلغ الوجوه ، وقال إنهم يجعلون له بنات ، ويجعلون لأنفسهم بنين ، مع أن جعل البنات لهم أولى ، وذلك لأن كثير البنات تعين عل كثرة الأولاد ، لأن الإناث الكثيرة يمكن منهن الولادة بأولاد كثيرة من واحد . وأما الذكور الكثيرة لا يمكن منهم إحبال أنثى واحدة بأولاد ، ألا ترى أن الغنم لا يذبح منها الإناث إلا نادراً ، وذلك لما ثبت أن إبقاء النوع بالأنثى أنفع نظراً إلى التكثير ، فقال تعالى : أنا القيوم الذي لا فناء لي ، ولا حاجة لي في بقاء النوع في حدوث الشخص ، وأنتم معرضون للموت العاجل ، وبقاء العالم بالإناث أكثر ، وتتبرؤون منهن والله تعالى مستغن عن ذلك وتجعلون له البنات ، وعلى هذا فما تقدم كان إشارة إلى نفي الشريك نظراً إلى أنه لابتداء لله ، وهذا إشارة إلى نفي الشريك نظراً إلى أنه لا فناء له ، فإن قيل كيف وقع لهم نسبة البنات إلى الله تعالى مع أن هذا أمر في غاية القبح لا يخفى على عاقل ، والقوم كان لهم العقول التي هي مناط التكليف ، وذلك القدر كاف في العلم بفساد هذا القول ؟ نقول ذلك القول دعاهم إليه اتباع العقل ، وعدم اعتبار النقل ، ومذهبهم في ذلك مذهب الفلاسفة حيث يقولون يجب اتباع العقل الصريح ، ويقولون النقل بمعزل لا يتبع إلا إذا وافق العقل ، وإذا وافق فلا اعتبار للنقل ، لأن العقل هناك كاف ، ثم قالوا الوالد يسمى والداً ، لأنه سبب وجود الولد ، ولهذا يقال : إذا ظهر شيء من شيء هذا تولد من ذلك ، فيقولون الحمى تتولد من عفونة الخلط ، فقالوا الله تعالى سبب وجود الملائكة سبباً واجباً لا اختيار له فسموه بالوالد ، ولم يلتفتوا إلى وجوب تنزيه الله في تسميته بذلك عن التسمية بما يوهم النقص ، ووجوب الاقتصار في أسمائه على الأسماء الحسنى التي ورد بها الشرع لعدم اعتبارهم النقل ، فقالوا يجوز إطلاق الأسماء المجازية والحقيقية على الله تعالى وصفاته ، فسموه عاشقاً ومعشوقاً ، وسموه أباً ووالداً ، ولم يسموه ابناً ولا مولوداً باتفاقهم ، وذلك ضلالة . * ( أَمْ تَسْاَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ) * . وجه التعلق هو أن المشركين لما اطرحوا الشرع واتبعوا ما ظنوه عقلاً ، وسموا الموجود بعد العدم مولوداً ومتولداً ، والموجد والداً لزمهم الكفر بسببه والإشراك ، فقال لهم ما الذي يحملكم على اطراح الشرع ، وترك اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ هل ذلك لطلبه منكم شيئاً فما كان يسعهم أن يقولوا نعم ، فلم يبق لهم إلا أن يقولوا لا ، فنقول لهم : كيف اتبعتم قول الفلسفي الذي يسوغ لكم الزور وما يوجب الاستخفاف بجانب الله تعالى لفظاً إن لم يكن معنى كما تقولون ، ولا تتبعون الذي يأمركم
تفسير الرازي — صفحة 263 | فخر الدين الرازي