العامل في * ( يوم ) * ماذا ؟ فيه وجوه : الأول : ما أنا بظلام مطلقاً . والثاني : الوقت ، حيث قال ما أنا يوم كذا ،
ولم يقل : ما أن بظلام في سائر الأزمان ، وقد تقدم بيانه ، فإن قيل فما فائدة التخصيص ؟ نقول النفي الخاص أقرب إلى التصديق من النفي العام لأن المتوهم ذلك ، فإن قاصر النظر يقول : يوم يدخل الله عبده الضعيف جهنم يكون ظالماً له ، ولا يقول : بأنه يوم خلقه يرزقه ويربيه يكون ظالماً ، ويتوهم أنه يظلم عبده بإدخاله النار ، ولا يتوهم أنه يظلم نفسه أو غير عبيده المذكورين ، ويتوهم أنه من يدخل خلقاً كثيراً لا يجوزه حد ، ولا يدركه عد النار ، ويتركهم فيه زماناً لا نهاية له كثير الظلم ، فنفى ما يتوهم دون ما لا يتوهم ، وقوله : * ( هل امتلأت ) * بيان لتصديق قوله تعالى : * ( لأملأن جهنم ) * ، وقوله : * ( هل من مزيد ) * فيه وجهان : أحدهما : أنه لبيان استكثارها الداخلين ، كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً ، أو يشتمه شتماً قبيحاً فاحشاً ، ويقول المضروب : هل بقي شيء آخر ! ، ويدل عليه قوله تعالى : * ( لأملأن ) * لأن الامتلاء لا بد من أن يحصل ، فلا يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد . والثاني : هو أنها تطلب الزيادة ، وحينئذ لو قال قائل فكيف يفهم مع هذا معنى قوله تعالى : * ( لأملأن ) * ؟ نقول : الجواب : عنه من وجوه : أحدها : أن هذا الكلام ربما يقع قبل إدخال الكل ، وفيه لطيفة ، وهي أن جهنم تتغيظ على الكفار فتطلبهم ، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المؤمنين ، فتطلب جهنم امتلاءها لظنها بقاء أحد من الكفار خارجاً ، فيدخل العاصي من المؤمنين ، فيبرد إيمانه حرارتها ، ويسكن إيقانه غيظها فتسكن ، وعلى هذا يحمل ما ورد في بعض الأخبار ، أن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار قدمه ، والمؤمن جبار متكبر على ما سوى الله تعالى ذليل متواضع لله . الثاني : أن تكون جهنم تطلب أولاً سعة في نفسها ، ثم مزيداً في الداخلين لظنها بقاء أحد من الكفار . الثالث : أن الملء له درجات ، فإن الكيل إذا ملئ من غير كبس صح أن يقال : ملئ وامتلأ ، فإذا كبس يسع غيره ولا ينافي كونه ملآن أو لا ، فكذلك في جهنم ملأها الله ثم تطلب زيادة تضييقاً للمكان عليهم وزيادة في التعذيب ، والمزيد جار أن يكون بمعنى المفعول ، أي هل بقي أحد تزيد به ، ثم قال تعالى :
* ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) * .
بمعنى قريباً أو بمعنى قريب ، والأول أظهر وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ما وجه التقريب ، مع أن الجنة مكان والأمكنة يقرب منها وهي لا تقرب ؟ نقول : الجواب : عنه من وجوه : الأول : أن الجنة لا تزال ولا تنقل ، ولا المؤمن يؤمر في ذلك اليوم بالانتقال إليها مع بعدها ، لكن الله تعالى يطوي المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو التقريب .
فإن قيل : فعلى هذا ليس إزلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزلاف المؤمن من الجنة ، فما الفائدة في
تفسير الرازي — صفحة 174
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٤