تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
إظهار لفظ العبيد حيث يقول : * ( ما أنا بظلام للعبيد ) * أي في ذلك اليوم الذي امتلأت جهنم مع سعتها حتى تصيح وتقول لم يبق لي طاقة بهم ، ولم يبق في موضع لهم فهل من مزيد استفهام استكثار ، فذلك اليوم مع أني ألقي فيها عدداً لا حصر له لا أكون بسبب كثرة التعذيب كثير الظلم وهذا مناسب ، وذلك لأنه تعالى خصص النفي بالزمان حيث قال : ما أنا بظلام يوم نقول : أي وما أنا بظلام في جميع الأزمان أيضاً ، وخصص بالعبيد حيث قال : * ( وما أنا بظلام للعبيد ) * ولم يطلق ، فكذلك خصص النفي بنوع من أنواع الظلم ولم يطلق ، فلم يلزم منه أن يكون ظالماً في غير ذلك الوقت ، وفي حق غير العبيد وإن خصص والفائدة في التخصيص أنه أقرب إلى التصديق من التعميم . والثالث : هذا يدل على أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه ، لأنه نفى كونه ظلاماً ولم يلزم منه نفي كونه ظالماً ، ونفي كونه ظلاماً للعبيد ، ولم يلزم منه نفي كونه ظلاماً لغيرهم ، كما قال في حق الآدمي : * ( فمنهم ظالم لنفسه ) * ( فاطر : 32 ) . البحث الثاني : قال ههنا : * ( وما أنا بظلام للعبيد ) * من غير إضافة ، وقال : * ( ما أنت بهادي العمي ) * ( النمل : 81 ) ، * ( وما أنت بمسمع من في القبور ) * ( فاطر : 22 ) على وجه الإضافة ، فما الفرق بينهما ؟ نقول الكلام قد يخرج أولاً مخرج العموم ، ثم يخصص لأمر ما لا لغرض التخصيص ، يقول القائل : فلان يعطي ويمنع ويكون غرضه التعميم ، فإن سأل سائل : يعطي من ، ويمنع من ؟ يقول : زيداً وعمراً ، ويأتي بالمخصص لا لغرض التخصيص ، وقد يخرج أولاً مخرج الخصوص ، فيقول فلان يعطي زيداً ماله إذا علمت هذا فقوله : * ( وما أنا بظلام ) * كلام لو اقتصر عليه لكان للعموم ، فأتى بلفظ العبيد لا لكون عدم الظلم مختصاً بهم ، بل لكونهم أقرب إلى كونهم محل الظلم من نفسه تعالى ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان في نفسه هادياً ، وإنما أراد نفي ذلك الخاص فقال : * ( وما أنت بهادي العمي ) * وما قال : ما أنت بهاد ، وكذلك قوله تعالى : * ( أليس الله بكاف عبده ) * ( الزمر : 36 ) . البحث الثالث : العبيد يحتمل أن يكون المراد منه الكفار ، كما في قوله تعالى : * ( يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول ) * ( يس : 30 ) يعني أعذبهم وما أنا بظلام لهم ، ويحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين ووجهه هو أن الله تعالى يقول : لو أبدلت القول ورحمت الكافر ، لكنت في تكليف العباد ظالماً لعبادي المؤمنين ، لأني منعتهم من الشهوات لأجل هذا اليوم ، فإن كان ينال من لم يأت بما أتى المؤمن ما يناله المؤمن ، لكان إتيانه بما أتى به من الإيمان والعبادة غير مفيد فائدة ، وهذا معنى قوله تعالى : * ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ) * ( الحشر : 20 ) ، ومعنى قوله تعالى : * ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) * ( الزمر : 9 ) ، وقوله تعالى : * ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ) * ( النساء : 95 ) ويحتمل أن يكون المراد التعميم ثم قال تعالى : * ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلاََتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ) * .
تفسير الرازي — صفحة 173 | فخر الدين الرازي